محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

245

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قال بعض العلماء : يجوز أنه يكون معنى التعجب المنسوب إلى اللّه تعالى فيه إظهار عجب هذا الأمر لخلقه ؛ لأنه بديع الشأن ، وهو أن الجنة التي أخبر اللّه تعالى بما فيها من النعيم المقيم ، والعيش الدائم ، والخلود فيها الذي من حكم من سمع به من ذوي العقول أن يسارع إليها ويبذل مجهوده في الوصول إليها ويتحمل المكاره والمشقات لينالها ، هؤلاء يمتنعون عنها ويرغبون عنها ، ويزهدون فيها حتى يقادوا إليها بالسلاسل كما يقاد إلى المكروه العظيم الذي تنفر منه الطباع وتألم منه الأبدان وتكرهه النفوس . وقد قرأ جماعة من القراء « بل عجبت ويسخرون » بضم التاء . وفي حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد عجب اللّه من فلان وفلانة في قصة الأنصاري الذي قال لامرأته « أكرمي ضيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » « 1 » وهو حديث صحيح مشهور . فالعجب منسوب إلى اللّه تعالى ، وقد ورد في الكتاب والسنة . فهو إذن من الصفات السمعية . أوجب عليك وجود خدمته وما أوجب عليك إلا دخول جنته . هذه عبارة حسنة موافقة لمعنى ما تقدّم ، والمقصود من هذا كلّه الإعلام بأن اللّه تعالى غنّى عن خلقه لا تنفعه طاعتهم ولا تضرّه معصيتهم ، وأن التكاليف كلّها إنما أوجبها عليهم لما يرجع إليهم من مصالحهم لا غير . قلت : وما ذكره المؤلف ، رحمه اللّه ، هو حال عامة الناس الذين من شأنهم التأنيّ وعدم الانقياد للأوامر والنواهي ، ولذلك احتاجوا إلى التخويف والتحذير والموالاة للحضّ والمبالغة في النكير . وأمّا الخاصة منهم فلم يحتاجوا إلى شيء من ذلك ؛ لأن اللّه تعالى شرح صدورهم ونوّر بصائرهم ، وكتب في قلوبهم الإيمان وحبّب إليهم الطاعة وبغّض إليهم العصيان ، فلم يقتصروا على ما اقتصر عليه المذكورون من فعل الواجبات واجتناب المحظورات فقط ، بل أضافوا إلى ذلك المبادرة إلى أعمال الطاعات ، والمسارعة إلى نوافل الخيرات ، وبالجملة صارت أعمالهم كلّها قربات ، وذلك لتمام حريتهم وصحة عبوديتهم « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة ، 6 ، 59 ) . ( 2 ) أخرجه علي القاري في ( الأسرار المرفوعة 172 ، 373 ) ، والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 409 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 446 ) ، والفتني في ( تذكرة الموضوعات 101 ) والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ، 165 ) .