محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

246

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قال في « التنوير » : « إنما جعل الحق ، سبحانه ، الإيجاب على العباد علما منه بما هم عليه من وجود الضعف ، وبما نفوسهم متصفة به من وجود الكسل فأوجب عليهم ما أوجبه لأنه لو خيّرهم فيما أوجب عليهم لم يكونوا به قائمين إلّا قليلا ، « وقليل ما هم » فأوجب عليهم وجود طاعته . وفي التحقيق ما أوجب عليهم إلّا دخول جنته فساقهم إلى الجنّة بسلاسل الإيجاب : عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل « 1 » . قال : واعلم ، رحمك اللّه ، أنا تلمحنا الواجبات فرأينا الحق ، سبحانه ، جعل في كلّ ما أوجبه تطوّعا من جنسه في أيّ الأنواع كان ليكون ذلك التطوّع من ذلك الجنس جابرا لما عساه أن يقع من الخلل في قيام العبد بالواجبات ، وكذلك جاء في الحديث : « إنه ينظر في مفروض صلاة العبد فإن نقص منها شيء كمل من النوافل » فافهم ، رحمك اللّه ، هذا . ولا تكن مقتصرا على ما فرض اللّه عليك ، بل لتكن فيك ناهضة حبّ توجب إكبابك على معاملة اللّه تعالى فيما لم يوجبه عليك ، ولو كان العباد لا يجدون في موازينهم إلّا فعل الواجبات وثواب ترك المحرمات لفاتهم من الخير والمنّة ما لا يحصره حاصر ، ولا يحرزه حارز ، فسبحان اللّه الفاتح للعباد باب المعاملة ، والمهيىء لهم أسباب المواصلة . قال : واعلم أن الحق - سبحانه - علم أن عباده ضعفاء وأقوياء ، فأوجب الواجبات وبيّن المحرمات ، فالضعفاء اقتصروا على القيام بما أوجب والترك لما حرّم ، وليس في قلوبهم من سلطان الحب ووجود الشغف ما يحملهم على المعاملة من غير إيجاب ، فمثلهم مثل العبد يعلم السيد منه أنه إن لم يخارجه « 2 » لم يهد إليه شيئا : فلذلك وقّت سبحانه الأوراد ، ووظّف وظائف العبودية ، وعرف ذلك بالطالع والغارب والزوال وصيرورة ظل كلّ شيء مثله في الصلاة ، وبالحول في الأموال النامية العين والماشية ، وبوقت حصول المنفعة في الزرع وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [ الأنعام : 141 ] ، وبعشر ذي الحجة في الحج ، وبشهر رمضان في الصيام ، فوظف الوظائف وقتها وجعل للنفوس فيها فسحة الحظوظ والسعي في الأسباب . وأهل اللّه هم أهل الفهم عنه جعلوا الأوقات كلّها وقتا واحدا ، والعمر كله نهجا إلى اللّه تعالى قاصدا ، فعلموا أن الوقت كله له ، فلم يجعلوا شيئا منه لغيره ؛ ولذلك قال

--> ( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 2 ، 302 ، 406 ، 448 ، 457 ، 5 ، 249 ) ، والبخاري ( جهاد ، 144 ) ، وأبو داود ( جهاد ، 114 ) . ( 2 ) تخارج المسافرون : اقتسموا النفقة بينهم .