محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

240

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

كنت متحققا بالزهد منصرفا عن الدنيا فخذ من أيديهم لينمحي جاهك عندهم ، واخرج بما يعطونك إلى الفقراء ، وكن بعقد التوكل تأخذ قوتك من الغيب ، فاشتد ذلك على أصحاب بشر ، فقال بشر : اسمع أيها الرجل الجواب : الفقراء ثلاثة ، فقير لا يسأل وإن أعطى لا يأخذ فذلك من الروحانيين إذا سأل اللّه تعالى أعطاه وإن أقسم على اللّه أبرّ قسمه ، وفقير لا يسأل وإن أعطى قبل ، فذلك من أوسط القوم عقده التوكل والسكون إلى اللّه تعالى ، فهو ممن توضع له الموائد في حظيرة القدس ، وفقير اعتقد الصبر وموافقة الوقت ، فإذا طرقته الحاجة خرج إلى عبيد اللّه وقلبه إلى اللّه بالسؤال ، فكفارة سؤاله صدقه . فقال الرجل : رضيت ، رضى اللّه عنك . إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه ، فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا . هذا ميزان صحيح باعتبار غالب الأنفس ، لأنها مجبولة على الجهل والشره ، فشأنها أبدا إنما هو طلب الحظوظ والفرار من الحقوق كما تقدم عند قوله : « حظ النفس في المعصية ظاهر جليّ وحظها في الطاعة باطن خفيّ » . فإذا وجد المريد من نفسه ميلا وخفّة عند بعض الأعمال دون البعض اتهمها ، وترك ما مالت إليه وخف عليها ، وعمل بما استثقلته . قال بعض العارفين : « منذ عشرين سنة ما سكن قلبي إلى نفسي ساعة » . وسكون القلب إلى النفس ، هو : اتباعه للأخف عليها دون الأثقل ، وهو معدود عندهم من نفاق القلب . ومن بقي عليه شيء من دواعي الهوى ، وإن قلّ ، لا يؤمن عليه من مثل هذا . فخفة العمل على النفس إنما تكون لأجل موافقة هواها ، وهواها لا يميل إلّا إلى الباطل ، فإذا التبس عليك أمران ، واجبان أو مندوبان ، ولم تعلم أيهما أوجب أو أفضل لتقدّمه على الآخر ، فانظر أثقلهما على نفسك فاعمل به . وإنما قلنا « باعتبار غالب الأنفس » ، لأن النفس المطمئنة لا توصف بالجهل ولا بالشره ، فقد يخفّ العمل عليها ولا يدل ذلك على أنه باطل ، فليكن نظر العبد حينئذ إلى ما هو أكثر فائدة وأعظم مزّية فليقدّمه على غيره . وقد ذكر الشيخ « أبو طالب المكي » رضي اللّه تعالى عنه ، حكاية عجيبة في شره النفس وكونها لا تميل إلّا إلى الباطل قال : « حدثني بعض إخواني عن بعض هذه الطائفة قال : قدم علينا بعض الفقراء ، فاشترينا من جار لنا حملا مشويا ودعوناه إليه في جماعة من أصحابنا فلما مدّ يده أخذ لقمة وجعلها في فيه ، ثم لفظها ، ثم اعتزل وقال : كلوا