محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

241

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

أنتم ! ! فإنه قد عرض لي عارض منعني من الأكل . فقلنا لا نأكل إن لم تأكل ! ! فقال : أنتم أعلم ، أما أنا فغير آكل ! ! ثم انصرف . [ قال ] فكرهنا أن نأكل دونه ، فقلنا لو دعونا الشوّاء فسألناه عن أصل هذا الحمل فلعلّ له سببا مكروها ، فدعوناه ، فلم نزل به نسأله حتى أقرّ أنه كان ميتة ، وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه ، فشواه ، ووافق أنكم اشتريتموه ! ! [ قال ] فرميناه للكلاب . [ قال ] ثم إن لقيت الرجل بعد وقت فسألته : لأيّ معنى تركت أكله ؟ وبأيّ عارض ؟ فقال أخبرك : ما شرهت نفسي إلى طعام منذ عشرين سنة للرياضة التي ريضتها بها ، فلما قدّمتم إلى هذا شرهت نفسي إليه شرها ما عهدته قبل ذلك ، فعلمت أن في الطعام علة ، فكرهت أكله لأجل شدة شره النفس إليه » . قال الشيخ أبو طالب : فانظر - رحمك اللّه - كيف اتفقا في شره النفس على قصة واحدة ، ثم اختلفا بالتوفيق والخذلان فعصم العالم بالورع والمحاسبة ، وترك الجاهل مع شره النفس بالحرص وترك المراقبة ، أعني : البائع للحمل . وعصم الآخرون للتوفيق بحسن الأدب ، وهو : قمع شره النفس عن الأكل بعد صاحبهم ، ثم تدارك البائع بعد وقوعه بصدق المشتري وحسن نيته » انتهى . وثمّ ميزان آخر [ أصلح ] ، وأكثر تحقيقا من الأول ، وهو أن يقدّر نزول الموت به ، فأيّ عمل سرّه أن يكون مشغولا به إذ ذاك فهو حق وما عداه باطل . قال في « لطائف المنن » : « والموت ميزان على الأفعال والأحوال كما هو ميزان في دائرة الوقت . أما الرتب فكما تقدم يعني : أنه علامة صحة مرتبة الولاية ، وأما الأفعال والأحوال فإذا التبس عليك أمر لا تدري هل يرضي اللّه فعله أو تركه ، أو حالة أنت بها لا تدري هل قمت فيها بحق أو قمت فيها بهوى ؟ فأورد الموت على ما أنت فيه من أفعال وأحوال ، فكلّ حالة وعمل تثبت مع تقدير ورود الموت عليها ولم تنهزم فهي حقّ ، وكل حالة وعمل هزمها الموت فهي باطلة ، إذ الموت حق ، والحق يهزم الباطل ويدفعه لقوله تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [ الأنبياء : 18 ] قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ سبأ : 48 ] وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [ الإسراء : 81 ] . وما كنت فيه قائما بحقّ ، لم يهزمه الموت ، إذ هو حق ، والموت حق ، والحق لا يهزم الحق . قال : وتجاذبت الكلام أنا وبعض من يشتغل بالعلم في أنه ينبغي أخلاص النيّة فيه ، وأنه لا يشتغل به إلّا للّه تعالى فقلت له : الذي يقرأ العلم للّه ، هو الذي إذا قلت له تموت غدا ، لا يضع الكتاب من يده » انتهى .