محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

239

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

منه أنّ ما تضمنه عظيم الموقع ، وأنه مستحسن منّا إيراده في هذا الموضع ، إذ هو منوط بالإيمان والتوحيد ، محتاج إليه كلّ سالك ومريد ، فمن رعاه حق رعايته ، وصرف إلى العمل بمقتضاه عنان عنايته ، فقد تحقّق بمحاسن الإيمان ، وكان من ولاية اللّه تعالى بمكان ، ومن أهمله وضيّعه ، وجهل قدره وموضعه ، خيف عليه من الوقوع في الشرك الخفيّ والجليّ ، واستحق بذلك أن يطرد عن باب مولاه العليّ ، فيقوى طمعه في الخلق ، ويضيق عليه متسعات أبواب الرزق ، كما قال بعض العارفين المكاشفين قيل لي في نوم كاليقظة ، أو يقظة كالنوم . لا تبدينّ فاقة إلى غيري فأضاعفها عليك ، مكافأة لسوء أدبك ، وخروجك عن حدّك في عبوديتك ، إنما ابتليتك بالفاقة لتفزع منها إليّ وتتضرّع بها لدى ، وتتوكل فيها عليّ ، سبكتك بالفاقة لتصير ذهبا خالصا فلا تزيفنّ بعد السبك . وسمتك بالفاقة وحكمت لنفسي بالغني فإن وصلتها بي وصلتك بالغني ، وإن وصلتها بغيري قطعت عنك مواد معونتي وحسمت أسبابك من أسبابي ، طردا لك عن بابي ، فمن وكلته إليّ ملك ، ومن وكلته إليه هلك » . انتهى . ومنهم من يأنف من قبول الرفق على أيدي الخلق وترتفع همته عن ذلك وإن لم يكن سؤال ولا طلب ، يحكى عن حماد بن سلمة « 1 » رحمه اللّه تعالى أنه قال : كان في جواري امرأة أرملة لها أيتام . . وكانت ليلة ذات مطر ، فسمعت صوتها تقول : يا رفيق ارفق . فخطر ببالي أنها أصابتها فاقة ، فصبرت حتى احتبس المطر ، فحملت معي عشرة دنانير ، ودققت عليها الباب فقالت : حماد بن سلمة ؟ فقلت : نعم ، كيف الحال ؟ فقالت : بخير وعافية ، احتبس المطر ودفىء الصبيان . فقلت : خذي هذه الدنانير وأصلحي بها بعض شأنك . [ قال ] : فصاحت بنية لها خماسية : أتريد يا حماد أن تكون بيننا وبين معبودنا [ واسطة ] ؟ ثم قالت لأمها : لما رفعت صوتك بإظهار السرّ علمت أن اللّه يؤدبنا بأظهار الرفق على يد مخلوق ! ! » . وذكر الشيخ عبد الرحمن السلمي ، عن ابن عباس بن دهقان قال : كنت عند بشر بن الحارث ، رضي اللّه تعالى عنه ، وهو يتكلم في الرضا والتسليم فإذا هو برجل من المتصوفة ، فقال له : يا أبا نصر ، انقطعت عن أخذ البرّ من أيدي الخلق لإقامة الجاه ، فإن

--> ( 1 ) حماد بن سلمة بن دينار البصري الربعي بالولاء ( توفي سنة 167 ه - 784 م ) أبو سلمة مفتي البصرة ، وأحد رجال الحديث ، ومن النحاة . كان حافظا ثقة مأمونا ، إلا أنه لما كبر ساء حفظه فتركه البخاري ، وأما مسلم فاجتهد وأخذ من حديثه بعض ما سمع منه قبل تغيره . ( الأعلام 2 / 272 ، وميزان الاعتدال 1 / 277 ، وحلية الأولياء 6 / 249 ، وتهذيب الكمال 5 / 175 ) .