محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
238
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
بنواله وأفضاله ، وخصّه بوجود إقباله . ومن ملة إبراهيم معاداة كلّ ما شغل عن اللّه وصرف الهمّة بالرد إلى اللّه لقوله تعالى : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] . والغنى - إن أردت الدلالة عليه - فهو : اليأس من الناس . ولقد قال الشيخ أبو الحسن - رضي اللّه عنه : يئست من نفع نفسي لنفسي فكيف لا أيأس من نفع غيري لنفسي ، ورجوت اللّه لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي . وهذا هو الكيمياء والأكسير « 1 » الذي من حصل له يحصل له غنى لا فاقة بعده ، وعزّ لا ذل معه ، وإنفاق لا نفاد له ، وهو كيمياء أهل الفهم عن اللّه . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه : « صحبني إنسان وكان ثقيلا عليّ ، فبسطته يوما ، فانبسط ، فقلت له : يا ولدي ، ما حاجتك ولم صحبتني ؟ فقال : يا سيدي ، قيل لي إنك تحسن الكيمياء فصحبتك لأتعلم منك ذلك . فقلت له : صدقت وصدق من حدّثك ، ولكني إخالك لا تقبل ! ! فقال : بل أقبل . فقلت له : نظرت إلى الخلق فوجدتهم على قسمين : أعداء وأحبّاء ، فنظرت إلى الأعداء فعلمت أنهم لا يستطيعون أن يشوكوني بشوكة لم يردني اللّه بها . فقطعت نظري عنهم ، ثم تعلّقت بالأحبّاء فوجدتهم لا يستطيعون أن ينفعوني بشيء لم يردني اللّه به ، فقطعت نظري عنهم وتعلّقت باللّه تعالى ، فقيل لي : إنك لا تصل إلى حقيقة هذا الأمر حتى تقطع يأسك منّا كما قطعته من غيرنا أن نعطيك غير ما قسمناه لك في الأزل . وقال مرة أخرى لمّا سئل عن الكيمياء : « أخرج الخلق من قلبك ، واقطع يأسك من ربّك أن يعطيك غير ما قسم لك » . قال : وليس يدلّ على فهم العبد كثرة عمله ، ولا مداومته على ورده ، وإنما يدلّ على نوره وفهمه غناه بربّه ، وانحياشه إليه بقلبه ، وتحرره من رقّ الطمع وتحليه بحلية الورع ، وبذلك تحسن الأعمال ، وتزكو الأحوال ، قال اللّه تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الكهف : 71 ] . فحسن الأعمال إنما هو بالفهم عن اللّه ، والفهم هو ما ذكرناه من الاغتناء باللّه ، والاكتفاء به ، والاعتماد عليه ، ورفع الحوائج إليه ، والدوام بين يديه ، وكل ذلك من ثمرة الفهم عن اللّه تعالى » . انتهى ما يتعلق بغرضنا من كلام صاحب التنوير وهو من الكلام النفيس الخطير ، وأنت - رحمك اللّه - إذا تأملته بعين بصيرتك ، ناصحا لربك في علانيتك وسريرتك ، علمت
--> ( 1 ) الإكسير : شراب في زعمهم يطيل الحياة . وهو أيضا مادة كان الأقدمون يزعمون أنها تحول المعدن الرخيص إلى ذهب .