محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

237

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

يأتي كل يوم ويقف بحذاء الكعبة بعد ما يطوف ما شاء اللّه تعالى ويخرج من جيبه رقعة ينظر فيها ، فلما كان بعد أيام فعل مثل ذلك ، ثم تباعد ، ومات . فجاء بعض من يرمقه ونظر في الرقعة فإذا فيها : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] . قال : فكان الرجل أصابته الفاقة ، فصبر ، ولم يظهر حاله لمخلوق حتى مات . وقال أبو بكر الجوهري - رحمه اللّه تعالى - : كنت ب « عسقلان » « 1 » على برج أحرس ، فمرّ بي رجل عليه جبّة « 2 » صوف متخرّقة ، فقمت إليه مسلّما ، وعانقته وأجلسته ، وجاريت معه في فنون من العلم ، وكان قدماه حافيتين ، فقلت له : لم لا تسأل أصحابك في نعل تقيك من الحفاء ؟ ! فقال : يا أخي لردّ أمسي بالحبال ، وحبس عين الشمس بالعقال « 3 » ، ونقل ماء البحر بالغربال أهون عليّ من موقف السؤال ، وارتجائي من المخلوقين النوال ، ثم أخرجني من باب المدينة ، فانتهى بي إلى صخرة منقورة فإذا عليها مكتوب : « كل من كدّ يمينك وعرق جبينك ، فإن ضعف يقينك فاسأل المولى يعينك » . قال في « التنوير » : « واعلم - رحمك اللّه - أن رفع الهمّة لسالكي طريق الآخرة عن الخلق ، وعدم التعرض لهم أزين لهم من الحلّى للعروس ، وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس ، ومن خلعت عليه خلعة الملك فحفظها وصانها فحرّى بأن تدام له ولا تسلب عنه ، والمدنّس لخلع المواهب حرّى أن لا تترك له . فلا تدنّس ، أيها الأخ ، إيمانك بطمعك في المخلوقين ، ولا تجعلن اعتمادك إلا على رب العالمين . وكن ؛ أيها الأخ « إبراهيميا » ، فقد قال أبوك إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 76 ] ، وما سوى اللّه آفل ، إما وجودا وإما إمكانا ، وقد قال سبحانه : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [ الحج : 78 ] ، أي : اتّبعوا ملته . فواجب على المؤمن أن يتبع ملّة إبراهيم ومن ملّته رفع الهمة عن الخلق ، فإنه يوم زجّ به في المنجنيق « 4 » تعرّض له جبريل عليه السلام فقال له : ألك حاجة ؟ فقال له : أمّا إليك ، فلا ، وأما إلى اللّه تعالى فبلى . قال : فاسأله . قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي . فانظر كيف رفع همته عن الخلق ؛ ووجهها إلى الملك الحق ، فلم يستغث بجبريل ، ولا احتال على السؤال من ربه . بل رأى ربه أقرب إليه من جبريل عليه السلام ، ومن سؤاله . فلذلك سلمه من « نمروذ » ونكاله ، وأنعم عليه

--> ( 1 ) عسقلان : وهي مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين ( معجم البلدان 4 / 122 ) . ( 2 ) الجبّة : ثوب طويل واسع الكمين ، مسقوق المقدم يلبس فوق الثياب . والجبّة : الدرع . ( 3 ) العقال : حبل يربط به البعير في وسط ذراعه . ( 4 ) المنجنيق : آلة قديمة من آلات الحرب وحصار المدن ، كانت ترمى بها الحجارة على الأسوار فتهدمها ( ج ) منجنيقات ومجانق ومجانيق .