محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
225
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
إذ العشرون من شعبان ولّت * فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار * فإن الوقت ضاق عن الصغار فخرج هائما على وجهه إلى مكة « 1 » ولم يزل مجاورا بها حتى مات ، [ قال ] وقرىء على الشيخ « مكين الدين الأسمر » قول القائل : لو كان لي مسعد بالراح يسعدني * لما انتظرت لشرب الراح إفطارا « 2 » الراح شيء شريف أنت شاربه * فاشرب ولو حمّلتك الراح أوزارا يا من يلوم على صهباء صافية * خذ الجنان ودعني أسكن النارا فقال إنسان : هناك لا تجوز قراءة هذه الأبيات ! ! فقال الشيخ مكين الدين الأسمر للقارئ : اقرأ ، هذا رجل محجوب ! ! والشيخ مكين الدين الأسمر هذا هو الذي شهد له الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه بأنه من السبعة الأبدال . [ قال ] ويكفيك في هذا أن ثلاثة سمعوا مناديا ينادي « يا سعتر برّي » ففهم كلّ واحد منهم مخاطبة عن اللّه ، خوطب بها في سرّه ؛ فسمع الواحد : « اسع تر برّي » وسمع الآخر : « الساعة ترى برّي » وسمع الآخر : « ما أوسع برّي » فالمسموع واحد واختلفت أفهام السامعين ، كما قال اللّه سبحانه : يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [ الرعد : 4 ] . وقال سبحانه : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ * [ البقرة : 60 ] . فأمّا الذي سمع : اسع تر برّي فمريد دلّ على اللّه تعالى بالنهوض إلى اللّه بالأعمال ، فيستقبل الطريق بالجدّ ، فقيل له اسع إلينا بصدق المعاملة تر برّنا بوجود المواصلة . وأما الثاني ، فكان واصلا إلى اللّه تعالى ، طاولته الأوقات فخاف أن تفوته المواصلة فقيل له ترويحا على قلبه لمّا أحرقته نار الشغف : الساعة ترى برّي . وأمّا الآخر ، فعارف كشف له عن وسع الكرم ، فخوطب من حيث أشهد ، فسمع : ما أوسع برّي . [ قال ] وقال الشيخ محيي الدين بن العربي ، رحمه اللّه تعالى : « دعانا بعض الفقراء إلى وليمة بزقاق القناديل بمصر « 3 » ، فاجتمع بها جماعة من المشايخ ، فقدّم الطعام ،
--> ( 1 ) مكة : مدينة في المملكة العربية السعودية . أحد الحرمين . كانت في الجاهلية محطة هامة لتجارة القوافل بين اليمن والشام وفيها الكعبة المعظمة ، وغدت في الإسلام مركز الحج وقبلة المصلين . ( معجم البلدان 5 / 181 - 188 ) . ( 2 ) الراح : الخمر . ( 3 ) زقاق القناديل : محلة بمصر مشهورة فيها سوق الكتب والدفاتر والظرائف كالآبنوس والزجاج وغير ذلك . ( معجم البلدان 3 / 145 ) .