محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
226
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وعمروا الأوعية ، وهناك وعاء زجاج قد اتخذ للبول ولم يستعمل فقرّب فيه ربّ المنزل الطعام ، فالجماعة يأكلون ، وإذا الوعاء يقول : مذ أكرمني اللّه بأكل هؤلاء السادة منّي لا أرضى لنفسي أن أكون بعد ذلك اليوم محلا للأذى ، ثم انكسر نصفين . فقال الشيخ محيي الدين : فقلت للجميع : سمعتم ما قال الوعاء ؟ فقالوا : نعم [ قال ] فقلت : ما سمعتم ! ! فأعادوا القول الذي تقدّم . قال . فقلت : قال قولا غير ذلك . قالوا : وما هو ؟ قلت : قال كذلك قلوبكم قد أكرمها اللّه بالإيمان ، فلا ترضوا بعد ذلك أن تكون محلا لنجاسة المعصية ، وحبّ الدنيا » . جعلنا اللّه وإياكم من أولى الفهم عنه والتلقّن منه . قلت : وهذه المنازع كلّها مما يستملح ويستظرف ، وتتأثر بها القلوب السليمة ، وتنقاد لها النفوس الكريمة ، وقد جرت عادة أئمة هذه الطريق باستعمالها وإيرادها في محالها ، فلا حرج علينا إذن في ذكر بعض ذلك ، إذا كانت له مناسبة تامة ، ووجدت فيها فائدة خاصة أو عامة . وباللّه التوفيق لا ربّ غيره . ربما عبّر عن المقام من استشرف عليه . وربما عبّر عنه من وصل إليه ، وذلك ملتبس إلا على صاحب بصيرة . كما أنّ الواصل إلى مقام من مقامات اليقين يعبّر عنه . كذلك يعبّر عنه من استشرف عليه ولم يتحقق فيه بالمنازلة والمواصلة والتباس ذلك على من ليس له بصيرة ظاهرة . وأما ذو البصيرة فلا يخفى عليه ذلك ، لأنه يرى في الكلام صورة المتكلّم الباطنة وما هو عليه كمال أو نقص . وقد قيل : « تكلموا تعرفوا » . لا ينبغي للسالك أن يعبّر عن وارداته فإن ذلك يقلّ عملها في قلبه ، ويمنعه وجود الصدق مع ربه . الواردات الإلهية لا ينبغي للسالك أن يعبّر عنها اختيارا منه ، بل يخفيها ويصونها ولا يطلع أحدا عليها ، إلّا شيخا مرشدا ؛ لأن نفسه تجد في ذلك لذة وانشراحا ، فتقوى به صفاتها ، فيقلّ بسبب ذلك عمل الوادرات في قلبه من التأثير المحمود . ولأجل غلبة أحكام نفسه وإيثار حظّه يمنعه ذلك من وجود صدقه مع ربّه . وقد تقدّم هذا المعنى في قوله [ استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ] . لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك ، فإذا كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم . هذه قاعدة عظيمة يحتاج إليها السالكون المتجرّدون ؛ ليبنوا عليها أحوالهم فيما يصل إليهم من الرفق على أيدي الخلق ، وقد ذكرها المؤلف ، رحمه اللّه تعالى بعبارات