محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

210

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

السكوت والرضا ؛ فمنهم من قال الدعاء في نفسه عبادة ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الدعاء مخّ العبادة » « 1 » فالإتيان بما هو عبادة أولى من تركها ، ثم هو حقّ الحقّ سبحانه وتعالى ، فإن لم يستجب للعبد ، ولم يصل إلى حظّ نفسه فلقد قام بحقّ الربوبية ؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية وقد قال أبو حازم الأعرج : « لأن أحرم الدعاء أشدّ عليّ من أن أحرم الإجابة » . وطائفة قالوا : السكوت والخمول تحت جريان الحكم أتمّ ، والرضا بما سبق من اختيار الحق أولى ، ولهذا قال الواسطي : « اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت » ، وقد قال الرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبرا عن اللّه تعالى : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » « 2 » . وقال قوم : يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه ، وصاحب رضا بقلبه ليأتي الأمرين جميعا ، قال الإمام أبو القاسم : « والأولى أن يقال إن الأوقات مختلفة ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت ، وهو الأدب ، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب ، وإنما يعرف ذلك في الوقت ؛ لأن علم الوقت إنما يحصل في الوقت ؛ فإذا وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء له أولى . وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت له أولى . ويصحّ أن يقال : ينبغي للعبد أن لا يكون ساهيا عن شهود ربّه تعالى في حال دعائه . ثم يجب أن يراعى حاله ؛ فإذا وجد من الدعاء زيادة بسط في وقته فالدعاء له أولى ، وإن عاد إلى قلبه في وقت الدعاء شبه زجر « 3 » ومثل قبض فالأولى له ترك الدعاء في هذا الوقت ، وإن لم يجد في قلبه لا زيادة بسط ولا حصول زجر فالدعاء وتركه سيّان « 4 » . وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت العلم فالدعاء أولى لكونه عبادة ، وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت المعرفة والحال والسكوت فالسكوت أولى . ويصحّ أن يقال : ما كان للمسلمين فيه نصيب ، أو للحقّ سبحانه وتعالى فيه حقّ فالدعاء أولى . وما كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتمّ وأولى ، وفي الخبر المرويّ : « إن العبد ليدعو اللّه عزّ وجلّ وهو يحبّه ، فيقول اللّه : يا جبريل أخّر حاجة عبدي فإني أحبّ أن أسمع صوته ، وإن العبد ليدعو اللّه ، وهو يبغضه ، فيقول اللّه : يا جبريل ، اقض لعبدي

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( دعاء ، 1 ) . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( ثواب القرآن ، 25 ) ، والدارمي ( فضائل القرآن ، 6 ) . ( 3 ) الزجر : المنع والنهي . ( 4 ) سيّان : سواء .