محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

211

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

حاجته فإني أكره أن أسمع صوته » « 1 » انتهى كلام الإمام أبي القاسم القشيري ، وهو حسن بديع ، وهو أوفى مما ذكره المؤلف ، رحمه اللّه ، فلذلك أوردته هنا بكماله . إنما يذكر من يجوز عليه الإغفال ، وإنما ينبه من يمكن منه الإهمال . أورد هذا كالدليل على ما ذكره من أنّ ترك الطلب قد يكون من الأدب ، وذلك لأن في الطلب إشعارا بتجويز الإغفال عليه فيقع بذلك التذكير له وتلويحا باحتمال وجود الإهمال منه ، فيكون ذلك تنبيها له ، وجميع ذلك محال على الحقّ تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ؛ فلأجل هذه العلل كان ترك الطلب عند هؤلاء أدبا . وقد سئل الواسطي ، رضي اللّه تعالى عنه ، أن يدعو ، فقال : « أخشى إن دعوت أن يقال لي : إن سألتنا ما لك عندنا فقد اتهمتنا ، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا ، وإن رضيتنا أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور » . وروى عن عبد اللّه بن منازل أنه قال : « ما دعوت اللّه منذ خمسين سنة ، وما أريد أن يدعو لي أحد ؛ لأنه ماض عليّ ما سبق » . ورود الفاقات أعياد المريدين . الأعياد عبارة عن الأوقات العائدة على الناس بالمسرات والأفراح ، وهم مختلفون في ذلك ، فمنهم من مسرته وفرحه بوجود حظّه ، ونيل شهواته وغرضه ، وهذا هو حال عامة المسلمين ، ومنهم من مسرّته وفرحه بفقدان حظوظه وإعواز أمانيه وأغراضه ، وهذا هو حال الخاصة من المريدين ؛ لأن مدار أمرهم إنما هو على مراعاة قلوبهم وتصفية أسرارهم من كدورات الأغيار والآثار ، ولا يتأتى لهم ذلك إلا بوجدانهم لما يقهرهم من ضرورات الفاقات وأنواع الحاجات والضرورات ؛ فتراهم يؤثرون الفقر على الغنى ، والشدّة على الرخاء ، والذلّ على العزّ والمرض على الصحة ؛ إذ يحصل لهم بذلك رقّة وحلاوة لا يعرف قدرها إلا هم ؛ لأنها من وجودهم لقرب ربّهم ورؤيتهم له في حال فقدان حظّهم ، وكلما ازدادوا فاقة وبلاء ، زادهم ربّهم قربة وولاء . كان بعضهم يطوف حول الكعبة الشريفة وهو يقول : مؤتزر بشملتي كما ترى * وصبيتي باكية كما ترى « 2 » وامرأتي عريانة كما ترى * يا من يرى الذي بنا ولا يرى

--> ( 1 ) أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال 3264 ) ، والسيوطي في ( جمع الجوامع 5699 ) وأخرجه صاحب ( الاتحافات السنية 153 ) ، وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 2 / 447 ) . ( 2 ) الشّملة : ثوب يشتمل به ( ج ) شمال .