محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

205

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الدنيا إلا هو وخالقه ، فإن أحدا لا يقدر أن يضرّه ولا ينفعه . أو يسقط نفسه عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه . ا ه . ثم من له بحصول ما أراده منهم ، وأغراضهم مختلفة ، وطباعهم متباينة ، فربما استحسن من نفسه شيئا لم يستحسنه غيره ، وربما أرضى شخصا بما لا يرضى الآخر ، فهو يعمل بزعمه فيما ينفعه عند الناس وهو ساع فيما يضرّه عندهم وعند اللّه تعالى مع مقاساة التعب والنصب في نفسه . وفي الحكاية المذكورة عن لقمان وابنه تنبيه على هذا المعنى : ذكر أنّ لقمان دخل ذات يوم السوق وهو راكب حمارا ، وابنه يسوقه . فقال الناس حين رأوه : شيخ لم يشفق على صبيّ ، فأركبه خلفه فقالوا : اثنان على حمار ، هلّا زادا ثالثا ! ! فنزل لقمان وبقي الولد ، فقالوا : شيخ ماش وصبيّ راكب ! ! فنزل الولد يمشي مع والده ، وساقا الحمار جميعا فقالوا : حمار فارغ وهذان يسوقانه ! ! وكان غرض لقمان بهذا أن يرى ابنه شأن الناس مع من يراعي نظرهم ؛ فإنه لا يسلم منهم على أيّ حالة يكون ، فرضاء الناس غاية لا تدرك ، وأحمق الناس من طلب ما لا يدرك . فهذا حال من انقاد إلى الأوهام من ضعفاء العقول ، وسخفاء الأحلام . وأما من كان له عقل وافر ، وحلم فاخر ، فلا يميل إلّا إلى ما هو حقّ ، ووجوده صدق ، وهو ما من اللّه إليه من : نظر ، وإقبال ، وجزيل عطاء ، وعظيم نوال ، فهو يعلم فيما يؤدّيه إلى هذه المطالب من غير اكتراث بذمّ ذام ، أو عتب عاتب ، ويقول بلسان حاله : إن الذي تكرهون منّي * هو الذي يشتهيه قلبي ويقول أيضا ، ما قاله محمد بن أسلم « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « مالي ولهذا الخلق ، كنت في صلب أبي وحدي ، ثم صرت في بطن أمي وحدي ، ثم دخلت الدنيا وحدي ، ثم تقبض روحي وحدي فأدخل قبري وحدي ، ويأتيني منكر ونكير فيسألاني وحدي فإن صرت إلى خير صرت وحدي وإن صرت إلى شرّ صرت وحدي ، ثم أوقف بين يدي اللّه وحدي ، ثم يوضع عملي وذنوبي في ميزاني وحدي ، فإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي ، وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي ، فمالي وللناس ! ! » . وقد سئل الحارث بن أسد المحاسبي ، رضي اللّه تعالى عنه ، عن علامة الصادق فقال : « الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له من قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ، ولا يحب أن يطّلع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله ، ولا يكره أن يطّلع

--> ( 1 ) محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد ( توفي سنة 242 ه - 856 م ) أبو الحسن الكندي مولاهم الطوسي ، من حفاظ الحديث . اشتهر بالصلاح ونعته الذهبي بشيخ المشرق . له « المسند » و « الرد على الجهمية » و « الأربعون حديثا » . ( الأعلام 6 / 34 ، وحلية الأولياء 9 / 238 ، وشذرات الذهب 2 / 100 ، وتذكرة الحفاظ 2 / 103 ) .