محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
204
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
إظهارهم فأظهرهم ، تولّاهم في ذلك بتأييده ، وواردات مزيده ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة « 1 » : « لا تطلب الإمارة ؛ فإنك أن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها من مسألة وكلت إليها » « 2 » . ومن تحقق منهم بالعبودية للّه تعالى لم يطلب ظهورا ولا خفاء ، بل إرادته وقف على اختيار سيده له . وقال الشيخ أبو العباس المرسي ، رضي اللّه تعالى عنه ، : « من أحبّ الظهور فهو عبد الظهور ، ومن أحبّ الخفاء فهو عبد الخفاء ومن كان عبدا للّه فسواء عليه أظهره أو أخفاه » . غب عن نظر الخلق إليك بنظر اللّه إليك ، وغب عن شهود إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك . هذا المعنى هو حقيقة صدق عبودية العبد للّه تعالى الذي أشار في المسألة التي قبل هذه ، وهو أن لا يكون له شعور بما من الخلق إليه ، من نظر ، وإقبال ، ولا تشوّف إليه ، ولا طلب له ، وإنما يكون شعوره وتشوّفه وطلبه مقصورا على ما من اللّه إليه من نظره إليه ، وإقباله عليه ، فيغيب أدنى الحالين بأعلاهما ؛ وذلك بأن يعلم أن ما من الخلق إليه أمر وهمّى باطل ينقاد إليه كلّ ذي عقل قاصر يوجب له هذا الانقياد أنواعا من الكبائر والرذائل من الانحطاط في أهواء الناس ، وتحسين موقع نظرهم منه بالتصنّع والتزين لهم ، وتربية الجاه والحشمة لديهم ، تكبّرا وتعظما عليهم ، ومعاشرتهم بالنفاق والدهان وتخالف الإسرار والإعلان ، وهذا عذاب أليم استعجله في دنياه ؛ إذ يفوته بذلك راحة قلبه وطيب عيشه ، ويسلبه أثواب الغنى والعزّة ويلبسه لباس الطمع والذلة ، فتردى بذلك همّته ، وتقلّ قيمته ، ولعذاب الآخرة أكبر ، قال الشاعر : من راقب الناس مات غمّا * وفاز باللذّة الجسور « 3 » ورأى سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه ، رجلا من الفقراء بمكة ، فقال له شيئا ، فقال : يا أستاذ ، لا أقدر على هذا من أجل الناس . فالتفت سهل إلى أصحابه فقال : لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين : حتى يسقط الناس من عينه فلا يرى في
--> ( 1 ) عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي ( توفي 50 ه - 670 م ) أبو سعيد ، صحابي من القادة الولاة . أسلم يوم فتح مكة ، وشهد غزوة مؤتة ، وسكن البصرة ، وافتتح سجستان وكابل وغيرهما ، وولي سجتان ، وغزا خراسان ففتح بها فتوحا ، ثم عاد إلى البصرة فتوفي فيها . كان اسمه في الجاهلية ( عبد كلال ، وسماه النبي صلى اللّه عليه وسلم عبد الرحمن . له ( 14 ) حديثا . ( الأعلام 3 / 307 ، وتهذيب الكمال 11 / 220 ) . ( 2 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 8 / 55 ) . ( 3 ) الغمّ : الكرب والحزن ( ج ) غموم . الجسور : المقدام .