محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
15
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
على عدم استعجال ما طلبتما ، وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ : وهم الذين يستعجلون الإجابة . وناهيك شرفا وحظا ما يحصل له ، بسبب مداومة الدعاء ، من الظفر بمحبة اللّه تعالى ، وموافقة رضاه ؛ فقد روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه يحب الملحين في الدعاء » « 1 » . وقد جاء في الحديث : « قال جبريل عليه السلام : يا رب عبدك فلان إقض له حاجته ، فيقول : دعوا عبدي ؛ فإني أحبّ أن أسمع صوته » رواه أنس بن مالك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومقتضى هذا : أن من الناس من يعجل اللّه له نوال حاجته لكراهة صوته ، وقد روى هذا المعنى أيضا منصوصا ، فليكن العبد خائفا من ذلك عند تعجيل إجابة دعائه ، قال أبو محمد عبد العزيز المهدوي ، رضي اللّه عنه : « كل من لم يكن في دعائه تاركا لاختياره وراضيا باختيار الحق فهو مستدرج ، وهو ممن قيل له : اقضوا حاجته فإني أكره أن أسمع صوته ، فإذا كان في دعائه مع اختيار الحق تعالى ، لا مع اختيار نفسه ، كان مجابا وإن لم يعط ، والأعمال بخواتيمها » اه . وقد تكون الإجابة مرتبة على شروط لا علم للداعي بها فتتأخر ، لعدم وقوع ذلك أو بعضه ، وذلك مثل وجود الاضطرار ، قال اللّه تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [ النمل : 62 ] فرتب الإجابة على وجود الاضطرار . وقال بعض العارفين : « إذا أراد اللّه أن يستجيب دعاء عبد رزقه الاضطرار في الدعاء » . والاضطرار لا يتحققه العبد من نفسه في جميع حالاته ، قال بعضهم : « المضطر الذي إذا رفع إلى اللّه يده لم ير لنفسه عملا » وهذا حال شريف ، ومقام منيف ، يعزّ على أكثر الناس الوصول إليه ، فكيف يتحقق مما ينبني عليه ، وفي المسألة التي تأتي بأثر هذا تنبيه على هذا المعنى : لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود ، وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحا في
--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في ( فتح الباري 11 / 95 ) ، والألباني في ( إرواء الغليل 3 / 143 ) ، والسيوطي في ( جمع الجوامع 5208 ) ، وابن حجر في ( تلخيص الحبير 12 / 95 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 5 / 356 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 287 ) ، وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 7 / 2621 ) ، والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 46 ) ، والألباني في ( السلسلة الضعيفة 637 ) .