محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

16

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

بصيرتك ، وإخمادا لنور سريرتك . الحق سبحانه لا يخلف الميعاد ، فمن وعده مولاه شيئا ، وإن كان معيّن الزمن ، ثم لم يقع ذلك الموعود فلا ينبغي أن يشككه ذلك في صدق وعد ربه ؛ ويجوز أن يكون وقوع ذلك الوعد معلقا على أسباب وشروط استأثر الحق تعالى بعلمها دون العبد ، فعلى العبد أن يعرف قدره ، ويتأدب مع ربّه ، ويسكن إليه فيما وعده به ويطمئن إليه ولا يتشكك في ذلك ولا يتزلزل اعتقاده فيه ، فمن كان على هذا الوصف فهو عارف باللّه تعالى سالم البصيرة ، منور السريرة ، وإلا فعلى العكس . إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قلّ عملك ، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك ، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك ، والأعمال أنت مهديها إليه ، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك . معرفة اللّه تعالى هي غاية المطالب ونهاية الآمال والمآرب « 1 » ؛ فإذا واجه اللّه تعالى عبده ببعض أسبابها ، وفتح له باب التعرّف له منها ، وأوجد له سكينة وطمأنينة فيها ، فذلك من النعم الجزيلة عليه ، فينبغي أن لا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر ، وما يترتب عليها من جزيل الأجر ، وليعلم أنه سلك به مسلك الخاصة المقربين ، المؤدّى إلى حقائق التوحيد واليقين ، من غير اكتساب من العبد ، ولا بعمل ، والأعمال التي من شأنه أن يتلبس بها هي باكتسابه وبعمله ، فلا تسلم من دخول الآفات عليها والمطالبة بوجود الإخلاص فيها وقد لا يحصل له ما يريد من الثواب عند مناقشة الحساب ، وأين أحدهما من الآخر . ومثاله : ما يصاب به الإنسان من البلايا والشدائد التي تنغّص « 2 » عليه لذات الدنيا ، وتمنعه من تكثير أعمال البر ، فإنّ مراده أن يستمر بقاؤه في دنياه ، طيب العيش ناعم البال ، ويكون حاله في طلب سعادة الآخرة حال المترفين المتورعين ؛ فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة التي لا كبير مؤنة عليه فيها ، ولا مشقة ، ولا تقطع عليه لذته ولا تفوّته شهوته . ومراد اللّه منه : أن يطهره من أخلاقه اللئيمة ، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة ، ويخرجه من أسر وجوده إلى متسع شهوده ؛ ولا سبيل له إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام ، إلا بما يضادّ مراده ، ويشوش عليه معتادة ، ويكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن ، ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة .

--> ( 1 ) المآرب : ( ج ) المأرب : الأرب والبغية . ( 2 ) تنغّص : تكدر .