محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

203

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

بأعماله ، والإظهار بمحاسن أحواله ؛ بناء منه على نفي الغير وأداء لواجب حقّ الشكر . كان بعض السلف يصبح فيقول : صلّيت البارحة كذا وكذا ركعة ، وتلوت كذا وكذا سورة ، فيقال له : أما تخشى الرياء ؟ ! فيقول : ويحكم ، وهل رأيتم من يرائي يفعل غيره » . وكان آخر يفعل مثل ذلك فيقال له : لم لا تكتم ذلك ؟ فيقول : ألم يقل اللّه سبحانه وتعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى : 11 ] وأنتم تقولون : لا تحدّث ! ! فإن قصد من هذا حاله إلى هداية عباد اللّه ودعاهم إلى اللّه تعالى ، فأظهر أحواله وأعماله للاقتداء به ، والاهتداء بهديه فهو خارج عن النمط الأوّل كلّه ، وداخل في هذا المنزع الثاني ، وعلانية هذا أفضل من سرّه ؛ لأنه سلم من الآفات التي تعرّض لها غيره وحصلت منه الفوائد التي تضمنها إظهاره وجهره . وقد جاء في الخبر : « السرّ أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء » . وهذا أرجح الوجوه عند العلماء في قوله صلى اللّه عليه وسلم للرجل الذي سأله عن فرحه باطلاع الناس على بعض أعماله : « لك أجران : أجر السرّ وأجر العلانية » « 1 » وقد فضّل ، ما ذكرناه من إظهار الطاعة ، جماعة من الصحابة والتابعين منعنا من ذكر وقائعهم خشية الإطالة ، وكان ذلك منهم لأجل هذا الغرض . ومقام هذا العبد مقام النصحاء لعباد اللّه والدعاة لهم إلى اللّه ، فلا جرم كان له الدرجات العلا عند اللّه تعالى ؛ لأنه من أئمة المتقين للّه ، وقد أخبر اللّه تعالى بجزائهم وذكره عقيب دعائهم بذلك فقال عز من قائل : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ، وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً [ الفرقان : 76 ] . قال في « لطائف المنن » : اعلم أن مبني أمر الوليّ على الاكتفاء باللّه ، والقناعة بعلمه ، والاغتناء بشهوده . قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] وقال سبحانه أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ؟ [ الزمر : 36 ] وقال أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ؟ [ العلق : 14 ] وقال تعالى أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] فمبنى أمرهم في بدايتهم على الفرار من الخلق ، والانفراد بالملك الحقّ ، وإخفاء الأعمال ، وكتمان الأحوال تحقيقا لفنائهم ، وتثبيتا لزهدهم ، وعملا على سلامة قلوبهم ، وحبّا في أخلاص أعمالهم لسيّدهم ، حتى إذا تمكّن اليقين وأيّدوا في الرسوخ والتمكين وتحققوا بحقيقة الفناء ، وردّوا إلى وجود البقاء فهناك إن شاء الحق أظهرهم ، وإن شاء سترهم ، وإن شاء أظهرهم هادين لعباده إليه ، وإن شاء سترهم فاقتطعهم عن كل شيء إليه . فظهور الوليّ ليس بإرادته لنفسه ، ولكن بإرادة اللّه تعالى له ، بل مطلبه - إن كان له مطلب - الخفاء لا الجلاء - كما قدمناه . فأما لم يكن الظهور مطلبهم وأراد اللّه سبحانه

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( زهد ، 49 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 25 ) .