محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

202

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقال أبو الخير الأقطع « 1 » رضي اللّه عنه : « من أحبّ أن يطلع الناس على عمله فهو مراء ، ومن أحبّ أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب » . وقال بعضهم لمن استوصاه : « لا تحب أن تعرف ، ولا تحب أن تعرف أنك ممن لا يحبّ أن يعرف » . فعلى العبد إخفاء حاله جهده ، وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما عنده . قال الحسن ، رضي اللّه عنه : « أدركت أقواما ما من أحد منهم يستطيع أن يسرّ شيئا من عمله إلا أسرّه ، وإن كان الرجل ليجلس مع القوم وإنه لفقيه وما يعلم به ، حتى يقوم ، ولقد أدركت أقواما يأتي أحدهم الزور فيقوم فيصلي وما يشعر به الزّور . ولقد أدركت أقواما وما من عمل يقدرون أن يعملوه للّه سرا فيكون علانية أبدا ، ولقد أدركت أقواما يجمع أحدهم القرآن وما يعرف به جاره ، ولقد أدركت أقواما يجتهدون في الدعاء وما يسمعهم أحد » . وقال محمد بن واسع « 2 » ، رضي اللّه عنه : « أدركت رجالا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بلّ ما تحت خدّه من دموعه لا تشعر به امرأته ، ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصفّ فتسيل دموعه على خدّه ولا يشعر به الذي إلى جنبه وفي رواية عنه : إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم ، فإن وقع منه إعلان وإظهار في وقت مّا فليشتغل حينئذ بمراقبة قلبه وصونه عن أن يعمل فيه الفرح باطلاع الناس على حاله ، ولينكر ذلك على نفسه ، وليكرهه ، ولا يرضه منها ، وليجاهد نفسه في ذلك أشد المجاهدة ؛ فإن خالف هذا واستشرف إلى معرفة غير اللّه بحاله ، وغفل عن مجاهدة نفسه في حال ظهور ذلك منه ، ولو في لحظة خيف عليه أن يعمل الفرح في قلبه فيقع عند ذلك الفتنة ؛ فإن كان ضعيف الإرادة لم يسلم من الوقوع في الرياء الجلي والخفي ؛ لأن سببه قد استتبّ له » . وإن كان قوي الإرادة وسالكا سبيل المعرفة لم يسلم من السكون والركون ، فيفقد حينئذ الغيرة على الحال ، وينحطّ بذلك من ذروة الكمال ، ولهذا كان إسقاط المنزلة عند الناس من ضروريات سالكي هذه الطريقة كما تقدّم عند قوله : [ ادفن وجودك في أرض الخمول ] « 3 » فإن تحقق العبد في المعرفة ومشاهدة الوحدانية الصرفة جاز له الإخبار

--> ( 1 ) هو أبو الخير الأقطع ( توفي 340 ه / 952 م ) مغربي الأصل . سكن تينات وله كرامات وفراسة حادة ، وكان كبير الشأن . ( الرسالة القشيرية ص 394 ) . ( 2 ) محمد بن واسع بن جابر الأزدي ( توفي سنة 123 ه - 741 م ) أبو بكر فقيه ورع من الزهاد . من أهل البصرة . عرض عليه قضاؤها فأبى ، وهو من ثقات أهل الحديث . ( الأعلام 7 / 133 ، وتهذيب الكمال 17 / 301 ) . ( 3 ) الخامل : الساقط الذي لا نباهة له .