محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
199
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين ، وخير الخلق أجمعين : سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اتبع هديه إلى يوم الدين . فهكذا خدع النفس وغدرها . أعاذنا اللّه من شرّها ، وسيأتي من كلام المؤلف [ إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه ، فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا ] . ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك . رياء العبد بالعمل حيث يكون بمرأى من الناس ظاهر ، لا يحتاج إلى أمارة هليه ، ورياؤه بعمله حيث لا يراه أحد أمر خفيّ لا يعرف إلّا بالأمارات والعلامات ، بل هو أخفى من دبيب النمل ، ومن أماراته : أن يلتمس بقلبه توقير الناس له وتعظيمه وتقديمه في المحافل والمجالس ، ومسارعتهم إلى قضاء حوائجه ، وإذا قصّر أحدهم في حقّه الذي يستحقه عند نفسه استبعد منه ذلك واستنكره ، ويجد تفرقه بين إكرامه وإكرام غيره ، وإهانته وإهانة سواه ، حتى ربما يظهر بعض سخفاء العقول ذلك على ألسنتهم ، فيتوعّدون من قصّر في حقّهم بمعاجلة اللّه له بالعقوبة ، وأن اللّه تعالى لا يدعهم حتى ينتصر لهم ويأخذ بثأرهم . فإذا وجد العبد هذه الأمارات من نفسه فليعلم أنه مراء بعمله وإن أخفاه عن أعين الناس ! ! . وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : « إن اللّه تعالى يقول يوم القيامة للفقراء : ألم تكونوا يرخّص لكم في السعر . . . ألم تكونوا تبادرون بالسلام . . . ألم تقضى لكم الحوائج » ، وفي الحديث الآخر : « لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم » . وقال عبد اللّه بن المبارك « 1 » : روى وهب بن منبه أن رجلا من العبّاد قال لأصحابه :
--> ( 1 ) عبد اللّه بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء ( 118 - 181 ه - 736 - 797 م ) التميمي ، المروزي أبو عبد الرحمن الحافظ ، شيخ الإسلام ، المجاهد التاجر ، صاحب التصانيف والرحلات ، أفنى عمره في الأسفار حاجا ومجاهدا وتاجرا ، وجمع الحديث والفقه والعربية وأيام الناس -