محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
200
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
إنما فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان ، فنخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم ، إن أحدنا إذا لقى أحبّ أن يعظّم لمكان دينه ، وإن سأل حاجة أحبّ أن تقضى له ، لمكان دينه ، وإن اشترى شيئا أحبّ أن يرخص عليه ، لمكان دينه ، فبلغ ذلك ملكهم ، فركب في موكب من الناس ، فإذا السهل والجبل قد امتلأ من الناس ، فقال السائح : ما هذا ؟ فقيل له : هذا الملك قد أتاك . فقال للغلام : ائتني بطعام ، فأتاه ببقل وزيت وقلوب « 1 » الشجرة ، فأقبل يحشو شدقه « 2 » ويأكل أكلا عنيفا . . . فقال الملك أين صاحبكم ؟ قالوا : هذا . قال : كيف أنت ؟ ! ! قال : كالناس [ وفي حديث آخر : بخير ] فقال الملك : ما عند هذا من خير ! ! فانصرف عنه ، فقال السائح : الحمد للّه الذي صرفك عنّي وأنت لي ذامّ . ومن هذا النوع من الرياء خاف الكبار ، وعدّوا أنفسهم بسببه من الأشرار كما روى عن الفضيل بن عياض ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه قال : « من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إليّ » وسمع مالك بن دينار « 3 » ، رضي اللّه تعالى عنه امرأة وهي تقول له يا مرائي ! ! فقال لها : يا هذه ، وجدت اسمي الذي أضلّه أهل البصرة ، ودخل رجل على داود الطائي « 4 » رضي اللّه عنه فقال : ما حاجتك ؟ قال : أريد زيارتك ، فقال : أمّا أنت فقد عملت خيرا حين زرت ، ولكن انظر ماذا ينزل بي أنا إذا قيل لي : من أنت لتزار ؟ أمن الزهّاد أنت ؟ لا ، واللّه ، أمن العبّاد أنت ؟ لا ، واللّه ، أمن الصالحين أنت ! ! لا ، واللّه . ثم أقبل يوبخ نفسه ويقول : كنت في الشبيبة فاسقا فلمّا كبرت صرت مرائيا ، واللّه ، للمرائي شرّ من الفاسق . . . إلى غير هذا مما روى عنهم في هذا المعنى . ولا يسلم من الرياء الخفيّ والجليّ إلا العارفون الموحّدون ، لأن اللّه تعالى طهرهم
--> - والشجاعة والسخاء . كان من سكان خراسان ، ومات بهيت منصرفا من غزو الروم . له كتاب في « الجهاد » ( الأعلام 4 / 115 ، وشذرات الذهب 1 / 295 ، وتهذيب الكمال 10 / 466 ) . ( 1 ) القلب : من كل شيء : وسطه ولبّه وما في داخله . ( 2 ) الشدق : جانب الفم من باطن الخد ( ج ) أشداق . ( 3 ) مالك بن دينار البصري ، أو يحيى من رواة الحديث ( توفي سنة 131 ه - 748 م ) كان ورعا ، يأكل من كسبه ، ويكتب المصاحف بالأجرة . توفي بالبصرة . ( الأعلام 5 / 260 ، وحلية الأولياء 2 / 357 ، ووفيات الأعيان 4 / 139 - 140 وتهذيب الكمال 17 / 396 ) . ( 4 ) داود بن نصير الطائي ( توفي سنة 165 ه - 781 م ) أبو سليمان من أئمة المتصوفين كان في أيام المهدي العباسي . أصله من خراسان ، ومولده بالكوفة . رحل إلى بغداد فأخذ عن أبي حنيفة وغيره ، وعاد إلى الكوفة ، فاعتزل الناس ولزم العبادة إلى أن مات فيها . وله أخبار مع أمراء عصره وعلمائه . ( الأعلام 2 / 335 ، ووفيات الأعيان 2 / 259 وفيه وفاته سنة 160 أو 165 ه . وحلية الأولياء 7 / 335 ، والرسالة القشيرية ص 422 ) .