محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

198

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الخبرة والبصيرة يتهمون أنفسهم إذا ألفت بابا من أبواب العبادات لمعرفتهم بخدعها ومكايدها ، فيشوّشون ذلك عليها وينتقلون منه . وقد حكى عن أبي محمد المرتعش « 1 » ، رضي اللّه عنه ، أنه قال : « حججت كذا وكذا حجة على التجريد فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي ؛ وذلك أن والدتي سألتني يوما أن أستقي لها جرّة ماء ، فثقل ذلك على نفسي ، فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجّات كانت بشوب وحظ من نفسي ؛ إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حقّ في الشرع » ، فهذا مما يبين أن حظ النفس في الطاعة موجودة ولكنه خفيّ على العامل ، فلذلك تعسر مداواته ؛ لأنه يحتاج إلى دقّة فهم ونفوذ إدراك ، فليتطلب بذلك آفات نفسه ، ولطائف خدعها ، وخفايا حظوظها ، فيعمل على تصفية عمله من ذلك . فلا جرم إذ كان ذلك متعذرا يجب عليه اتهام نفسه ، ومخالفتها في كلّ ما تدعو إليه كائنا ما كان . قال الشيخ أبو بكر الخفاف ، رضي اللّه عنه : « سمعت بعض مشايخي يقول عن أحد بن أرقم البلخي قال : حدثتني نفسي بالخروج إلى « اسبيجاب » للغزو ، فقلت : سبحان اللّه ، إن اللّه تعالى يقول : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] ، وهذه تأمرني بالخير ! ! لا يكون هذا أبدا ، ولكنها استوحشت ، فتريد لقاء الناس فتستروح به ، ويتسامع الناس بها فيستقبلونها بالبرّ والتعظيم والإكرام ، فقلت لها : لا أسألك العمران ولا أنزل على معرفة . فأجابت ، فأسأت ظنّي بها وقلت : واللّه أصدق قولا . فقلت لها : أقاتل العدوّ حاسرا « 2 » فتكوني أوّل قتيل . فأجابت . . . وعدّ أشياء مما أرادها به ، فأجابت إلى كل ذلك . فقلت : يا ربّ ، نبهني لها ، فإني لها متّهم ، ولقولك مصدّق ، فألهمت كأنها تقول لي : إنك تقتلني كلّ يوم مرات ؛ بمخالفتك إيّاي ومنع شهواتي ولا يشعر بي أحد ، فإن قاتلت فقتلت كانت قتلة واحدة فنجوت منك ويتسامع الناس فيقال : استشهد أحمد فيكون شرفا لي وذكرا في الناس . قال : فقعدت ولم أخرج ذلك العام .

--> ( 1 ) هو أبو محمد عبد اللّه بن محمد المرتعش ( توفي 329 ه / 940 م ) نيسابوري من محلة الحيرة وقيل : من ملقاباذ ، صحب أبا حفص وأبا عثمان ، ولقي الجنيد ، وكان كبير الشأن ، وكان يقيم في مسجد الشونيزية ، ومات ببغداد . ( الرسالة القشيرية ص 431 ) . ( 2 ) الحاسر : من الجنود من لا درع له ولا خوذة .