محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
197
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
يا إبراهيم ، اهبط إلى الأرض فلعلهم يتوبون ويرجعون » . وعن عليّ رضي اللّه عنه ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « لما أرى اللّه إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أشرف على رجل مختلي بمعصية من معاصي اللّه عزّ وجلّ ، فدعا اللّه عليه ، فهلك ، وكذلك على آخر . . . وآخر . . . فهلكوا ، فأوحى اللّه إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي ، فإنهم منّي على ثلاث خصال : إمّا أن يتوب العبد منهم فأتوب عليه ، وإما أن أخرج منه نسمة تسبح لي ، وإمّا أن يبعث إليّ فإن شئت عفوت عنه ، وإن شئت عاقبته » « 1 » . وقيل : إن سبب أمر اللّه له بذبح ولده وهو هذا المعنى الذي ظهر منه من غلظته على العصاة وقلّة رحمته لهم . وقد ذكر في بعض التفاسير أنه عليه السلام كان يعرج به كلّ ليلة إلى السماء وهو قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 75 ] . فعرج به ذات ليلة فاطّلع على مذنب يفعل فاحشة ، فقال : اللهم أهلكه ، يأكل رزقك ويمشي على أرضك ويخالف أمرك ؟ ! فأهلكه اللّه تعالى : فاطلع على آخر فقال : اللهم أهلكه ، فنودي : « كفّ عن عبادي رويدا رويدا فإني طالما رأيتهم عاصين » فلما هبط رأى في المنام ما ذكر اللّه تعالى عنه حيث يقول : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى [ الصافات : 102 ] . فلما تشمّر لذلك وأخذ السكين بيده قال : اللهم هذا ولدي وثمرة فؤادي وأحبّ الناس إليّ ، فسمع قائلا يقول : أما تذكر الليلة التي سألت فيها إهلاك عبدي ؟ ! أو ما تعلم أني رحيم بعبادي كما أنت شفيق بولدك ، فإذا سألتني إهلاك عبدي أسألك ذبح ولدك واحدا بواحد ، والبادي أظلم . . حظ النفس في المعصية ظاهر جلي وحظها في الطاعات باطن خفي ، ومداواة ما يخفى صعب علاجه . النفس من شأنها أبدا طلب الحظوظ والفرار من الحقوق ، فهي لا تسعى إلّا في ذلك ولو في عملها في الطاعات فضلا عن المعاصي ، ومن حاسب نفسه وراقب خواطره تبين له مصداق هذا . وقد تجد من النشاط واللذة في نوع من العبادة ما لا تجده في نوع آخر وإن كان هذا النوع الآخر أتمّ فضيلة منه ، وما ذاك إلّا من أجل أن حظّها فيه أكثر من الآخر ؛ فأهل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( أحكام ، 49 ) ، مناقب الأنصار ، 43 ) ، ( إيمان ، 11 ) ، ( تفسير سورة ، 60 ، 3 ) والنسائي ( بيعة ، 9 ) ، والدارمي ( سير ، 16 ) .