محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
190
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
قدرتهم على الوفاء بآدابه دون البسط ، وقد ينفتح لهم فيه من أبواب المعارف ما لا ينفتح لهم في البسط ، فينبغي للعبد أن يعرف نعمة اللّه تعالى عليه في ليل القبض ، كما يعرفها في إشراق نهار البسط ؛ لما يعلم أن في الليل من المنافع ما ليس في النهار فليكل علم ذلك إلى ربّه وليحسن ظنّه به ، فإنه لا يدري أيهما أقرب إليه نفعا ، كما أشار إليه بالآية الكريمة . وتشبيه القبض بالليل ، والبسط بالنهار مجاز بديع ، وقد تقدّم نحوه في كلام الأستاذ سيدي أبي الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه . مطالع الأنوار القلوب والأسرار . نجوم العلم ، وأقمار المعرفة ، وشموس التوحيد مطالعها ، وموضع شروقها قلوب العارفين وأسرارهم ، وهذه هي الأنوار الحقيقية من المطالع الروحانية بخلاف الأنوار الحسّية . قال في « لطائف المنن » : « واعلم أن اللّه سبحانه وتعالى إذا تولّى وليّا صان قلبه من الأغيار ، وحرسه بدوام الأنوار ، حتى لقد قال بعض العارفين : « إذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد حرس السماء بالكواكب والشّهب كيلا يسترق السمع منها فقلب المؤمن أولى بذلك ، يقول اللّه سبحانه فيما يحكيه عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » فانظر رحمك اللّه هذا الأمر الأكبر الذي أعطيه هذا القلب حتى صار لهذه الرتبة أهلا » ، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن ، رضي اللّه عنه : « لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض فما ظنك بنور المؤمن المطيع » . ولقد سمعت شيخنا أبا العباس ، رضي اللّه عنه ، يقول : « لو كشف عن حقيقة الوليّ لعبد ، لأن أوصافه من أوصافه ، ونعوته من نعوته » . قال : ولقد أخبرني بعض المريدين قال : صليت خلف شيخي صلاة فشهدت ما بهر عقلي ، وذلك أني شهدت بدن الشيخ وقد ملأته الأنوار ، وانبثت الأنوار من وجوده حتى أني لم أستطع النظر إليه » . قال : فلو كشف الحق تعالى عن مشرفات أنوار قلوب أوليائه لانطوى نور الشمس والقمر من مشرقات أنوار قلوبهم ، وأين نور الشمس والقمر من مشرقات أنوارهم ؟ الشمس يطرأ عليها الكسوف « 2 » والغروب ، وأنوار قلوب أولياء اللّه تعالى لا كسوف لها ولا غروب ، كذلك قال قائلهم :
--> ( 1 ) أخرجه الفتني في ( تذكرة الموضوعات ، 30 ) . ( 2 ) الكسوف : احتجاب نور الشمس أو نقصانه بوقوع القمر بينها وبين الأرض .