محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
185
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
إخوانه اسمه « حسن » فقال : حسن بأن تدع الوجود بأسره * حسن فلا يشغلك عنه شاغل ولئن فهمت لتعلمنّ بأنه * لا ترك إلّا للذي هو حاصل ومتى شهدت سواه فاعلم أنه * من وهمك الأدنى وقلبك ذاهل حسب الإله شهوده لوجوده * واللّه يعلم ما يقول القائل ولقد أشرت إلى الصريح من الهدى * دلّت عليه - إن فهمت - دلائل وحديث كان وليس شيء غيره * يقضي به الآن اللبيب العاقل لا غرو إلّا نسبة مثبوتة * ليذمّ ذو ترك ، ويحمد فاعل الناس يمدحونك لما يظنونه فيك فلتكن أنت ذاما لنفسك ؛ لما تعلمه منها . ذمّ العبد لنفسه واحتقارها لما يحققه من عيوبها وآفاتها مطلوب منه ؛ لأن ذلك يؤدّيه إلى الحذر من غرورها وشرورها ، فتصلح بسبب ذلك أعماله وتصدق أحواله ، وإلّا فسدت عليه واعتلت ؛ لدخول الآفات عليها ، ولا يصدنّه عن ذلك ثناء الناس عليه ومدحهم له ؛ لأنه يعلم من عيوب نفسه مما لا يعلمه غيره ثم إنهم لمّا قاموا بحقّ ما يجب عليهم من المدح له وحسن الظن به فينبغي أيضا أن يقوم هو بحق ما يجب عليه من اتهام نفسه وسوء اعتقاده فيها . قال بعضهم : « من فرح بمدح نفسه ، فقد أمكن الشيطان أن يدخل في بطنه » . وقال آخره : « إذا قيل لك نعم الرجل أنت ، فكان أحبّ إليك من أن يقال بئس الرجل أنت ، فأنت واللّه بئس الرجل » . وقيل لبعض الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم : « لن يزال الناس بخير ما أبقاك اللّه فيهم ، فغضب ، وقال : إنّي لأحسبك عراقيا » . وقال بعضهم لمّا مدح : « اللهمّ إنّ عبدك تقرّب إليّ بمقتك فأشهدك على مقته » . وقال آخر : « اللهم اجعلنا خيرا مما يظنون ، ولا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما لا يعلمون » . قال الإمام أبو حامد الغزالي ، رضي اللّه تعالى عنه : « وإنما كرهوا المدح ؛ خيفة أن يفرحوا بمدح الخلق وهم ممقوتون عند الخالق » فكان اشتغال قلوبهم بحالهم عند اللّه يبغّض إليهم مدح الخلائق ؛ لأن الممدوح هو المقرّب عند اللّه تعالى ، والمذموم على الحقيقة هو المبعد عند اللّه تعالى ، الملقى في النار مع الأشرار . فهذا الممدوح إن كان عند اللّه تعالى من أهل النار فما أعظم جهله إذ فرح بمدح غيره ، وإن كان من أهل الجنة ، فلا ينبغي أن يفرح إلّا بفضل اللّه تعالى وثنائه عليه ؛ إذ ليس أمره بيد الخلق ، ومهما علم أن الأرزاق والآجال بيد اللّه تعالى قلّ التفاته إلى مدح الخلق وذمتهم ، وسقط من قلبه حبّ المدح واشتغل بما يهمّه من أمر دينه » . انتهى كلام أبي حامد رضي اللّه عنه . المؤمن إذا مدح استحيا من اللّه تعالى أن يثني عليه بوصف لا يشهده من نفسه .