محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
186
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
المؤمن الحقيقي هو الذي لا يشهد من نفسه صفة محمودة يستحق بها أن يمدح أو يثنى عليه . وإنما يشهد ذلك من ربّه عزّ وجلّ . فإذا أثنى الناس عليه ، وذكروا محاسنه استحيا من اللّه تعالى استحياء تعظيم وإجلال أن يثنى عليه بصفة ليست فيه فيزداد بذلك مقتا لنفسه واستحقارا لها ونفورا عنها ، ويقوى عنده رؤية إحسان اللّه تعالى إليه ، وشهود فضله في إظهار المحاسن عليه ، وهذا هو الشكر الذي ينال به المزيد مع سلامته مع السكون إلى ثناء العبيد . أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس . الاغترار بمدح الناس وثنائهم غاية في الجهل والغباوة ، وذلك من علامات المقت ؛ لأن المغترّ بذلك ترك يقينه بنفسه لظنّ غيره به ، وهو على كل حال أعلم بنفسه . وقد شبّه الحارث المحاسبي رضي اللّه عنه الراضي بالمدح من الناس بالباطل بمن يهزأ به ، ويقال له إن العذرة « 1 » التي تخرج من جوفك لها رائحة المسك ، وهو يفرح بذلك ويرضى بالسخرية به ! ! قلت : ولا شك أن الذنوب والعيوب التي يعلمها العبد من نفسه أنتن وأقذر من العذرة التي تخرج من جوفه ، ولا فرق بين الحالين ، إلّا أنه في حال المدح يعلم أن المادح لم يشاركه في معرفة ذنوبه وعيوبه مشاركة ذلك المستهزىء للمستهزأ به في معرفة حال ما يخرج من جوفه ، فهو بجهله وغباوته قد رضي بأن يكون له في قلوب العباد الجاهلين بحاله قدر وجاه من غير مبالاته بسقوطه من عين مولاه الذي يعلم من حاله ما لا يعلمه هو ولا غيره من حيث رضي بالمدحة وفرح بها ولم يقابل ذلك بالإباء والكراهية . هذا إذا كان المادح من أهل العلم والدين ، وأما إن كان جاهلا أو فاسقا فلا غباوة أعظم من الرضا بمدحهم والفرح به . قال يحيى بن معاذ الرازي رضي اللّه عنه : « تزكية الأشرار هجنة « 2 » بك ، وحبّهم لك عيب عليك » . وقيل لبعض الحكماء : إن العامة يثنون عليك . فأظهر الوحشة من ذلك وقال : « لعلهم رأوا مني شيئا أعجبهم ، ولا خير في شيء يسرّهم ويعجبهم » . ويروى عن بعض الحكماء أنه مدحه بعض العوام ، فبكى ، فقال له تلميذه : أتبكي وقد مدحك ؟ ! فقال له : إنه لم يمدحني حتى وافق بعض خلقي خلقه ؛ فلذلك بكيت .
--> ( 1 ) العذرة : الغائط . ( 2 ) هجن الكلام وغيره : صار معيبا مرذولا .