محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

184

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الإفهام : وقل انظروا ما ذا في السماوات ولم يقل انظروا السماوات ؛ لئلا يدلك على وجود الأجرام « 1 » . أمر اللّه تعالى بالنظر في المكوّنات ليس لذاتها ؛ لأن في ذلك البعد عن اللّه تعالى بالنظر إلى ما سواه ، ولم يبح هذا ، وإنما أمرهم بذلك ليتوصّلوا بنظرهم فيها إليه ، لوجود ظهوره فيها ، والإشارة إلى هذا المعنى ب « في » في قوله تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 11 ] . فالمعنى المقصود : في وجود الظرفية ومنها يستفاد ، وهو معنى قوله : [ فتح لك باب الأفهام ] ، فلو أسقطها وقال : انظروا السماوات لكان فيه دلالة على جود الأجرام ، وهي أغيار له ، وفيها البعد عنه فكيف يدلّ على ذلك وهو لم يأذن فيه ؟ ! قال في « لطائف المنن » : « فما نصبت لك الكائنات لتراها ، ولكن لترى فيها مولاها ، فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها ، تراها من حيث ظهوره فيها ، ولا تراها من حيث كونيتها ، قال : ولنا في هذا المعنى : ما أبينت لك العوالم إلّا * لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى * حالة دون أن يرى مولاها الأكوان ثابتة بإثباته وممحوّة بأحدية ذاته . الأكوان من ذاتها العدم المحض ، كما تقدّم ، وإنما حصل لها وصف الثبوت بإثبات اللّه تعالى لها ، وجعلها أكوانا فالثبوت لها أمر عرضي ، والحقّ اللازم هو وجود أحدية اللّه عزّ وجلّ ، والأحدية مبالغة في الوحدة ، ولا تتحقق إلّا إذا كانت الوحدة بحيث لا يمكن أن يكون أشدّ ولا أكمل منها ، فمن مقتضى حقيقتها محّو الأكوان وبطلانها ، بحيث لا توجد إذ لو وجدت لم تكن أحدية ، ولكان في ذلك تعدد واثنينية ، كما قيل : ربّ وعبد ونفي وضدّ * قلت له ليس ذاك عندي فقال : ما عندكم ؟ فقلنا * وجود فقد وفقد وجد توحيد حقّ بترك خلق * وليس حقّ سواي وحدي وأنشدوا أيضا : سرّ سرى من جناب القدس أفناني * لكن بذاك الفنا عني قد أحياني وردّني للبقا حتى أعبّر عن * جمال حضرته لكلّ هيمان وطرت في ملكوت من عجائبه * لم ألق غير وجود ماله ثاني وأنشد المؤلف - رحمه اللّه تعالى - لنفسه في « لطائف المنن » يوصي رجلا من

--> ( 1 ) الأجرام السماوية : النجوم .