محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

178

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

روى عديّ بن حاتم « 1 » ، رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يؤمر يوم القيامة بناس ( من الناس ) إلى الجنة حتى إذا دنوا منها ونظروا إليها واستنشقوا ريحها وما أعدّ اللّه لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها فلا نصيب لهم فيها . فيرجعون بحسرة ما رجع الأوّلون بمثلها ، فيقولون : يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا . قال : ذلك أردت بكم : كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم ، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراءون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم ، هبتم الناس ولم تهابوني ، وأجللتم الناس ولم تجلوني ، وركنتم إلى الناس ولم تركنوا إليّ ، فاليوم أذيقكم أليم العذاب مع ما حرمتم من الثواب » . وفي بعض الكتب المنزلة : إن لم تعلموا أني أراكم فالخلل في إيمانكم ، وإن علمتم أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم . وقال ابن عباس ، رضي اللّه عنهما ، في قوله تعالى : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر : 19 ] : هو الرجل تمر به المرأة في القوم فيريهم أنه يغضّ بصره عنها ، ويودّ أنه يطّلع على عورتها ، ويقدر عليها . وقال في رواية أخرى : « هو الرجل يكون في القوم فتمرّ بهم المرأة فيريهم أنّه يغضّ بصره عنها ، فإذا رأى من القوم غفلة لحظ إليها ونظر ، فإذا خاف أن يفطنوا غضّ بصره عنها فقد اطلع اللّه عزّ وجلّ على قلبه أنه يودّ لو نظر إلى عورتها » . وهذا كلّه شأن المرائين الذين يستخفّون بنظر الجبّار ، ويهابون الناس أن يطلعوا عليهم فيما يرتكبونه من الأوزار » . والخاصّة من أهل الإيمان واليقين براء من هذا الوصف الذميم ، لا التفات لهم إلى الخلق مدحا ولا ذما ، وهمّتهم مصروفة عن النظر إليهم والاعتماد عليهم في نفع ، أو دفع ضرّ . وحالهم إنما هو القناعة بعلم اللّه تعالى ، ومراقبة نظره ، فهم يطلبون الستر من اللّه عنها في أن يغيّبها عن نظرهم ولا يخطرها بقلوبهم فتميل إليها أنفسهم فيعملون بها ، فيقعون في مخالفة ربّهم والتعرّض لسخطه والسقوط من عينه ، وشتان ما بين الحالين . وإلى هذا المعنى أشار سيدي أبو الحسن الشاذلي ، رضي اللّه عنه ، في دعائه بقوله :

--> ( 1 ) عدي بن حاتم بن عبد اللّه بن سعد بن الحشرج الطائي ، ( توفي سنة 68 ه - 687 م ) أبو وهب وأبو طريف . أمير ، صحابي من الأجواد العقلاء ، كان رئيس طيء في الجاهلية والإسلام وكان إسلامه سنة 9 ه ، وشهد فتح العراق ، ثم سكن الكوفة وشهد الجمل وصفين والنهروان مع عليّ . وفقئت عينه يوم صفين . ومات بالكوفة . روى عنه المحدثون 66 حديثا . ( الأعلام 4 / 220 ، وتهذيب الكمال 12 / 500 ) .