محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
179
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
« اللهمّ إنّا نسألك التوبة ودوامها ، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها ، وذكّرنا بالخوف منك قبل هجوم خطراتها ، واحملنا على النجاة منها ، ومن التفكّر في طرائقها ، وامح من قلوبنا حلاوة ما اجتنيناه منها ، واستبدلها بالكراهة لها والطعم لما هو بضدّها » . من أكرمك إنما أكرم فيك جميل ستره ؛ فالحمد لمن سترك ، ليس الحمد لمن أكرمك وشكرك . العبد محل الآفات والعيوب ، وستر اللّه الجميل هو الذي يحبب الناس إلى الناس ؛ فإذا أكرمك أحد فلا يذهبن ذلك بك إلى أن ترى لنفسك وصفا محمودا تستحق به الإكرام ، فتكون جاهلا بنفسك ، ولا يحملنّك أيضا رؤية إكرام الخلق لك ، لوجود جهلهم بحالك ، على أن تحمدهم عليه دون ربك الذي اضطرهم إلى إكرامك ، وستر عنهم عيوبك ، وأظهر لهم محاسنك ، فتكون بذلك كافرا بنعمة ربك ظالما بوضع الحمد في غير موضعه . لا تصحب إلا من صحبك وهو بعيبك عليم ، وليس ذلك إلا مولاك الكريم . خير من تصحب من يطلبك ، لا لشيء يعود منك إليه . الصاحب على الحقيقة هو : من بذل إحسانه إليك ، وأسبغ نعمه عليك ، ولم يمنعه من ذلك ما يعلمه من عيوبك التي يكرهها منك ، وليس ذلك إلا مولاك . وخير صاحب لك أيضا من اعتنى بك وآثرك وأرادك من غير منفعة ينالها منك ، وليس ذلك أيضا إلا مولاك فاتخذه صاحبا ، ودع الناس جانبا . لو أشرق لك نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها . نور اليقين تتراءى به حقائق الأمور على ما هي عليه فيحق به الحقّ ويبطل به الباطل ، والآخرة حق ، والدنيا باطل ، فإذا أشرق نور اليقين في قلب العبد أبصر به الآخرة التي كانت غائبة عنه حاضرة لديه ، حتى كأنها لم تزل ، فكانت أقرب إليه من أن يرحل إليها ، فحقّ بذلك حقها عنده ، وأبصر الدنيا الحاضرة لديه قد انكسف نورها وأسرع إليها الفناء والذهاب ، فغابت عن نظره بعد أن كانت حاضرة فظهر له بطلانها حتى كأنها لم تكن ، فيوجب له هذا النظر اليقيني الزهادة في الدنيا والتجافي عن زهرتها ، والإقبال على الآخرة ، والتهيؤ لنزول حضرتها . ووجدان العبد لهذا هو علامة انشراح صدره بذلك النور كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفتح . قيل : يا رسول اللّه ، هل لذلك من علامة