محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
177
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
أنت إلى حلمه إذا أطعته أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته . شرف العبد ورفعة قدره إنما تكون بنظره إلى ربّه عزّ وجلّ ، وإقباله عليه ، وسكونه إليه ، واعتماده عليه . ودناءته وخسّته ، وسقوطه من عين اللّه تعالى إنما تكون بنظره إلى نفسه ، وإقباله على غيره ، واستناده إلى سواه ، فالعبد عند عمله بالطاعة معرّض لهذه الأخطار من نظره إلى نفسه ، واستعظام عمله ، وعجبه بطاعته ، وسكونه إلى معاملته ، وليته يسلم فيه من دقائق الرياء والتصنّع ، بخلاف المعصية في جميع هذه الأشياء ، فإنها تحمله على الحذر ، والخوف من ربه ، وتوجب له الاستكانة « 1 » ، والخضوع ، وشدّة الافتقار إليه . فلذلك كان العبد إلى حلم اللّه - إذا أطاعه - أحوج منه إلى حلمه إذا عصاه . وفي الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : أوحى اللّه تعالى إلى نبيّ من الأنبياء : « قل لعبادي الصدّيقين : لا تغتروا . فإني إن أقمت عليهم عدلي وقسطي أعذّبهم غير ظالم لهم . وقل لعبادي الخاطئين : لا تيأسوا من رحمتي ، فإني لا يكبر عليّ ذنب أغفره » « 2 » . ولهذا المعنى قال أبو زيد رضي اللّه عنه : « توبة المعصية واحدة ، وتوبة الطاعة ألف توبة » . الستر على قسمين : ستر عن المعصية ، وستر فيها ، فالعامة يطلبون من اللّه تعالى الستر فيها ، خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق ، والخاصة يطلبون من اللّه الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحق . العامة يغلب عليهم شهود الخلق ، والتصنّع والتزيّن لهم ، ومحبة حمدهم ، وكراهية ذمّهم ؛ فهم يعملون المعصية ويستخفون بها ، ويطلبون الستر من اللّه عليهم فيها ، أي : في حال كونهم عاملين بها ، لئلا يراهم الخلق فيسقطوا من أعينهم . وفي أمثالهم قال اللّه عزّ وجلّ : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ [ النساء : 108 ] . قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه عنه ، في هذه الآية : « الغالب على قلوبهم رؤية الخلق ، ولا يشعرون أنّ الحقّ مطّلع عليهم ، أولئك الذين وسم اللّه قلوبهم بوسم الفرقة » .
--> ( 1 ) الاستكانة : الخضوع . ( 2 ) أخرجه البخاري ( رقاق ، 8 ) ، وابن ماجة ( طهارة ، 6 ) ، وأحمد بن حنبل ( 1 ، 66 ) .