محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
172
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ظهر له ما صورته صورة الكرامة فينبغي له أن يخاف عند ذلك من الاستدراج والمكر ؛ حيث لا يحبّ ذلك ولا يطلبه . فإن أحبّه أو طلبه فهو دليل على بقائه مع إرادته وحظوظه وعاداته ، فكيف تخرق العوائد لمن هذه صفته على سبيل الكرامة ؟ وهل هذا إلّا محال لا يستقيم . قال الشيخ أبو طالب المكي ، رضي اللّه عنه : « وجميع الأنوار من الغيوب التي وراء الحجب والأستار ، لا يظهر عليها إلّا مطلوب ، والمطلوب لا يكون محجوبا ، وهو عن نفسه مسلوب ، فمتى بقيت عليه من نفسه بقية ونظر إلى حركته وسكونه بعينه نظرة خفية فيسترها عليه رحمة له لأنه لو كوشف بها لهلك في حيرة الهوى وغرق في بحار الدنيا ونفس حبه وعين طلبه إياها هو حجابه عنها ، واستتارها عنه حتى يكون كارها لظهورها كراهيته ظهور الخلق على معصيته ، وخائفا منها كخوفه على نفسه في تظاهرها عليه بهلكته ، فهنالك حين يبتلي بها ويختبر يظهر كيف يعمل » وكذا الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه قال : « من لم يكن كارها لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصي فهي في حقّه حجاب ، وسترها عليه رحمة ، فإذن من خرق عوائد نفسه لا يريد ظهور شيء من الآيات وخوارق العادات له ، بل تكون نفسه عنده أقلّ وأحقر من ذلك ، فإذا فنى عن إرادته جملة فكان له تحقق في رؤية نفسه بعين الحقارة والذلّة حصلت له أهلية ورود الألطاف ووجود الإسعاف ، وسلك إلى مرتبة المهيع « 1 » الناهج « 2 » ، وضرب مع أهل الإرادة بقدح الفالج « 3 » » . قال الشيخ أبو العباس بن العريف : « أصبحت يوما مهموما ، فقلت للشيخ أبي القاسم بن روبيل : حدثني بحكاية عسى اللّه أن يفرّج ما بي . فقال : نعم ، وصف لي رجل ببعض السواحل يعرف ب « أبي الخيّار » فقصدته ، فوجدته على ساحل البحر ، فسلّمت عليه وجلست فلم يتكلم ولم أكلمه ، حتى إذا كان وقت الصلاة أقبل نفر من بعض الأودية متفرقون ، فاجتمعوا إليه ، وتقدّمهم واحد منهم فصلّى بهم ثم افترقوا ولم يكلّم أحد منهم أحدا ، وجلس الشيخ مكانه ، وجلست عنده حتى إذا كان وقت الصلاة حضر النفر فصلّوا ، ثم انصرفوا حتى إذا كان وقت صلاة العصر اجتمعوا ، وصلوا ، ثم جلسوا بعد ذلك وتذاكروا سير الصالحين ومقامات العارفين والأولياء إلى قرب اصفرار الشمس ، ثم تفرّقوا ، واجتمعوا للمغرب ، ثم تفرقوا ، فجلست عندهم ثلاثة أيام وهم على ذلك ، ثم وقع في نفسي أن أسأله عن مسألة أستفيدها ؛ فتقدّمت إليه فقلت : أيها الشيخ ، مسألة أسأل عنها ؟ فقال : قل ، فنظر الجماعة إليّ كالمنكرين ففزعت ، فقلت : أيها الشيخ متى
--> ( 1 ) المهيع : الطريق الواسع البيّن ( ج ) مهايع . ( 2 ) النّهج : الطريق المستقيم الواضح . ( 3 ) الفالج : مكيال ضخم معروف ، وقيل : هو القفيز ، وأصله بالسريانية فالفاء فعرّب .