محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

173

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

يعلم المريد أنه مريد ؟ قال : فأعرض عنّي ولم يجبني ! ! فخفت أن أكون قد أغضبته ، فقمت عنه ، فلما كان في اليوم الثاني ، قلت لا بدّ أن أسأله ، وعزمت على ذلك : فتقدّمت إليه وقلت : أيها الشيخ ، متى يعلم المريد أنه مريد فأعرض عنّي كالأولى ولم يجاوبني ، فقمت ، وعدت في الثالثة فسألته عن المسألة بعينها ؛ فاجتمع وقال : لا تقل هكذا ! ! أظنك تريد أن تسأل عن أوّل قدم يضعه المريد في الإرادة ؟ فقلت : نعم . قال لي : إذا اجتمع فيه أربع خصال : إحداها : أن تطوى له الأرض وتكون عنده كقدم واحد ، وأن يمشي على الماء ، وأن يأكل من الكون متى أراد ، وأن لا تردّ له دعوة . فعند ذلك يضع أوّل قدمه في الإرادة ، وأمّا متى ما علم المريد عندنا أنه مريد سقط من حدّ الإرادة ! ! قال الشيخ أبو العباس بن العريف رضي اللّه عنه : فصحت صيحة كادت نفسي تذهب معها ، ثم قلت له : آيستنا من الإرادة يا أبا القاسم . وتعجّبت من علوّ همّة هذا الشيخ » انتهى . واعلم أنه أول ما يخرق له من العادة تسميته باسم « المريد » مع كونه مسلوب الإرادة ، وما أحسن ما قال الشاعر : تكون مريدا ثم فيك إرادة * إذا لم ترد شيئا فأنت مريد والتحقيق في هذا : أن من تمحّضت إرادته لعبودية اللّه عز وجل بمراعاة حقوقه لأجل ما وجب عليه من ذلك لا يتوصّل به إلى نيل حظّ ما : هو الذي يسمى مريدا ، فلم يسمّ بذلك إلا لأنه متصف بالإرادة الحقيقية المتعلقة بأشرف المطالب ونهاية الآمال والمآرب ، وذلك أمر وجودي يصحّ أن يشتق منه اسم لمن قام به ذلك الأمر ، لا أنه سمى بذلك لأجل ما سلب عنه من الإرادة المجازية المتعلقة بحظوظه ، لكن لمّا كان سلب إحداهما يقتضي وجود الأخرى كاقتضاء الواجب صحّ لذلك الشاعر أن يطلق اسم الإرادة على من سلبت منه ، ويحجزه عمن وجدت فيه رشاقة وملاحة ونعمة . وبهذا تبيّن لك صحة كلام أبي يزيد ، واستقامته حيث قيل له : ما تريد ؟ فقال : أريد أن لا أريد . وإنه ليس بمختلّ ، ولا متناقض كما توهّم بعضهم . قال في التنوير : « واعلم أنه قال بعضهم : إن أبا يزيد لمّا أراد أن لا يريد فقد أراد . وهذا قول من لا معرفة عنده ! ! وذلك : أن أبا يزيد إنما أراد أن لا يريد ، لأن اللّه تعالى اختار له وللعباد أجمع عدم الإرادة معه ، فهو لا يختار معه شيئا ولا يريده ، فهو في إرادته أن لا يريد موافق لإرادة اللّه له » . ولذلك قال الشيخ أبو الحسن : « فكل مختارات الشرع وترتيباته هو مختار للّه ، ليس لك منه شيء ، فاسمع وأطع ، وهذا موضع الفقه الربانيّ والعلم اللدنيّ وهو أرض لتنزل