محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

171

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

أوقفني بين يديه فقال : سلني أيّ شيء رأيت حتى أهبه لك . فقلت : يا سيدي ، ما رأيت شيئا أستحسنته فأسألك إيّاه . فقال : أنت عبدي حقا ؛ تعبدني لأجلي صدقا ، لأفعلن بك . . . وذكر أشياء . فقال يحيى بن معاذ : فهالني ذلك ، وامتلأت به ، وعجبت منه ، فقلت : يا سيدي ، لم لم تسأله المعرفة به إذ قال لك ملك الملوك سلني ما شئت ؟ ! قال : فصاح به صيحة وقال : ويلك ، اسكت . وتلك غيرة عليه منّي ، لا أحبّ أن يعرفه سواه . قال الشيخ أبو طالب المكّي ، رضي اللّه عنه ، بعد أن ذكر هذه الحكاية : فهذا حال عبد فان عن نفسه مأخوذا : إذ كان ربّه ، عزّ وجل ، له موجودا وأطال مقامه في المقامات ، فقصرت عن وصفه الصفات ، وحقّ له إذا نظر إلى الحسن الذي حسنت المحاسن كلها عن حسنه ، وشانت الزينات جميعها بعد النظر إلى زينته ، وشهد الجمال الذي تجمّل الجمال والمتجمّلون بجماله أن لا يستحسن سواه ، وكيف يحبّ غير ما استحسن أو يزيّن في عينه إلا إيّاه ؟ ! أم كيف يطلب غير ما أحبّ ، أو يصبر مع غير ما طلب ؟ ! بل كيف يتهمّ بغير ما طلب ؟ ! فهذا نعت عبد مطلوب بعين ما طلب ، ووصف شخص محبوب بعين ما أحبّ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [ الحج : 57 ] . وفي الإشارات عن اللّه سبحانه وتعالى : يا عبدي اعزل نفسك ينعزل معها الملك والملكوت ، فتلحق الدارين بالملك ، وتلحق العلوم بالملكوت ، فتكون عندي من وراء ما أبدي ، فلا يستطيعك ما أبدي ؛ لأنك عندي ، وإذا كنت عندي كنت عبدي حقّا ، وإذا كنت عبدي كان عليك نوري فلا يستطيعك ما أبدي وإن أرسلته إليك ؛ لأن نوري عليك وليس نوري عليه ؛ فإذا جاءك لم يطقك فأوذنك به ، فتأذن أنت له . والعبارات عنهم في هذا المعنى خارجة عن الحصر ، وفيما رسمناه منها كفاية . وإنما ذكرنا هذه المعاني ، وإن كانت في الظاهر أعلى من أن يتناولها كلام المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، لأن مرجع أمره إليها إذا دققنا في النظر ، وتصرّفنا فيه بوجوه العبر ، فكان باطنه هو المقصود المعتبر . وكلام الصوفية ، رضي اللّه تعالى عنهم ، كثيرا ما يجري هذا المجرى ، واللّه تعالى يجزيهم عنّا خيرا ، ويمنّ علينا بالفهم عنهم ، وحسن القبول منهم ، ويفتح أسماعنا للاصغاء إليهم ، ويشرح صدورنا باستحسان ما يرد منهم ، أو يبدو عنهم ، بمنّه وفضله . كيف تخرق لك العوائد ، وأنت لم تخرق من نفسك العوائد . خرق العوائد بانكشاف عالم القدرة لا يكرم الحقّ تعالى به إلّا من خرق عوائد نفسه ، وفنى عن إرادته وحظوظه ، فمن لم يصل إلى هذه المقامات لا يطمع فيها ، وإن