محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

170

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

عظيمة ، وأخلاقا ذميمة لئيمة قادحة في صدق العبودية والإخلاص للربوبية . يتّوبون من جميع ذلك إلى ربّهم ، ويتعوّذون به من شرّه ، ويخافون من مساكنته وملاحظته غاية البعد ، نهاية المكر والطرد ، كما قيل : إذ قلت : ما أذنبت ، قالت مجيبة * وجودك ذنب لا يقاس به ذنب ذكر أنه كان لبعض الملوك عبد يقدّمه على أشكاله وأقرانه ، فشكا أهل إقليم عاملهم إلى الملك ، فقال : تخيّروا من شئتم أولّيه عليكم فاختاروا ذلك العبد لمّا رأوا ميل الملك إليه ، فقال الملك : راجعوه ، فإن اختار الولاية وليّته عليكم . فرغب الغلام في الولاية ، فأمر بكتب المنشور ، وأمر باستقباله إذا وافى محل ولايته ، والمبالغة في إلطافه بأنواع المكرّمات والمبارّ ، [ وأمر يضيع جميع الإكرام معه ] ودسّ من يرش عليه ماء ورد فيه سمّ ، ثم أمر من يقول إذا أشرف على الموت : هذا جزاء من اختار الولاية على خدمة مولاه . ففي هذا عبرة لأولي الأبصار ، وتبصرة لأرباب الاعتبار ، وإلى هذا المعنى الجليل المؤدي إلى سواء السبيل تشير الحكاية المشهورة ، المرويّة عن أبي يزيد البسطامي ، رضي اللّه تعالى عنه : حدّث يحيى بن معاذ رضي اللّه تعالى عنه ، أنه رآه في بعض مشاهداته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر مستوفزا « 1 » على صدور قدميه ، رافعا أخمصيهما « 2 » مع عقبيه « 3 » عن الأرض ، ضاربا بذقنه على صدره ، شاخصا بعينيه لا يطرف ، قال : ثم سجد عند السّحر وأطال ، ثم قعد فقال : اللهمّ إن قوما طلبوك فأعطيتهم المشي على الماء والمشي في الهواء ، فرضوا بذلك ، وإنّي أعوذ بك من ذلك . وإن قوما طلبوك فأعطيتهم طيّ الأرض . فرضوا بذلك ، وإنّي أعوذ بك من ذلك . وإن قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض ، فانقلبت لهم الأعيان ، فرضوا بذلك ، وإني أعوذ بك من ذلك . وإن قوما طلبوك فأعطيتهم عبدك خضرا ، فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك . حتى عدّ نيفا وعشرين مقاما من كرامات الأولياء ، ثم التفت إليّ فرآني ، فقال : يحيى ! ! قلت : نعم ، قال : منذ متى أنت هنا ؟ قلت : منذ حين . فسكت ، فقلت : يا سيديّ ، حدّثني بشيء . فقال : أحدّثك بشيء يصلح لك ، أدخلني في الفلك الأسود ، فدوّرني في الملكوت السفلى ، فأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى ، ثم أدخلني في الفلك العلويّ ، فطوّف بي في السماوات ، وأراني ما فيها من الجنّات إلى العرش ، ثم

--> ( 1 ) استوفز : نهض على ركبتيه وتهيأ للوثوب أو المضيّ فهو متسوفز . ( 2 ) الأخمص : باطن القدم الذي يرتفع عن الأرض ( ج ) أخامص . ( 3 ) العقبا : عظم مؤخر القدم وهو أكبر عظامها .