محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
167
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وجدان السلامة من غير مزيد عليها . وقال الواسطي ، رضي اللّه عنه : « العبادات إلى طلب العفو عنها أقرب منها إلى طلب الأعراض عليها » . وقريب من هذا قول النّصراباذي : « العبادات إلى طلب العفو والصفح عن تقصيرها أقرب منها إلى طلب الأعواض والجزاء عليها » . وقال خير النسّاج رضي اللّه عنه : « ميزان أعمالك ما يليق بأفعالك ، فاطلب ميزان فضله فإنه أتمّ وأحسن . قال اللّه تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ، فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] . لا تطلب عوضا على عمل لست له فاعلا ، يكفي من الجزاء لك على العمل أن كان له قابلا . المنفرد بخلق أفعال العباد واختراعها هو اللّه عزّ وجل ، فكيف يطلب العبد الجزاء على عمل لا مدخل له فيه على الحقيقة ؟ ! . ومعنى كون القبول جزاء قد تقدم . إذ أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك . فضل اللّه تعالى عظيم ، فإذا أراد أن يظهره عليك خلق لك الطاعة ، وحلاك بها ، ونسبها إليك ، وقال لك : يا عبدي أنت مطيع ، ومتق ، ومجتهد ، وعامل وسأثيبك على ذلك . فإذا شهد العبد هذا الفضل العظيم ، واستولى عليه الخجل والحياء من سيده الكريم ، وانطلق لسانه في هذه الحالة بالدعاء والسؤال ، وقال : يا رب كما تفضلت عليّ بخلق الطاعة لي ، وحليتني بها ، ووصفتني بصفات حميدة أنا خليّ عنها في الحقيقة ، ووعدتني مع ذلك جزيل الثواب والنجاة من العقاب ، فتقبّل مني عملي ، وانجز لي ما وعدتني : كان في ذلك مصيبا ، وإلّا فلا . فحق العبد أن لا ينسب إلى نفسه شيئا من محامد الصفات ، ومحاسن الأعمال حقيقة ولا أدبا ؛ إذ لا أهلية فيه لذلك . وأمّا مذام الصفات والأعمال ومساوئهما فمقتضى الأدب أن يضيف ذلك إلى نفسه ، وأن يعترف بأن ذلك من ظلمه وجهله . قال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه : « إذا عمل العبد حسنة وقال : يا رب أنت بفضلك استعملت ، وأنت أعنت ، وأنت سهّلت ، شكر اللّه تعالى له ذلك ، وقال له : يا عبدي ، بل أنت أطعت ، وأنت تقربت . وإذا نظر إلى نفسه وقال : أنا عملت وأنا أطعت ، وأنا تقربت . أعرض اللّه تعالى عنه ، وقال : يا عبدي ، أنا وفّقت ، وأنا أعنت ، وأنا سهلت . وإذا عمل سيئة وقال : يا رب أنت قدرت ، وأنت قضيت ، وأنت حكمت