محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
168
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
غضب المولى عليه وقال له : يا عبدي بل أنت أسأت ، وأنت جهلت ، وأنت عصيت . وإذ قال : يا رب أنا ظلمت نفسي وأن أسأت ، وأنا جهلت ، ، وقال : يا عبدي ، أنا قدرت وقد غفرت ، وحكمت . لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك ، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك . من أرجعه الحق إلى نفسه ، ووكله إلى عقله وحسه ، فقد طرده عن بابه وأبعده عن جنابه ، وكانت أحواله مدخولة معلولة ، وأعماله مستقبحة مرذولة ، ومن آواه إليه وأظهر جوده عليه فقد اصطنعه لنفسه ورفعه إلى حضرة قدسه ، وكانت أحواله حسنة جميلة ، وأعماله كلّها ممدوحة مقبولة كما قيل : لمّا أنتسبت إلى حماك تعرّفت * ذاتي فصرت أنا وإلا من أنا كن بأوصاف ربوبيته متعلقا ، وبأوصاف عبوديتك متلحققا . التعلّق بأوصاف الربوبية أن تشهد وجودك ، ولوازم وجودك ، لا شيء من جميع ذلك لك ولا منك ، وإنما هي عوار عندك ؛ فلا ترى وجودك إلا بوجوده ، ولا بقاءك إلّا ببقائه ، ولا عزّتك إلّا بعزّته ، ولا قدرتك إلا بقدرته ، ولا غناك إلّا بغناه . إلى غير ذلك من الأوصاف ، ولا يتمّ لك ذلك إلّا بأن تتحقق بأوصاف عبوديتك من : عدمك ، وفقرك ، وذلّك ، وعجزك والتعلق والتحقق المذكوران متلازمان ، بل هما شيء واحد لا تعدّد فيهما على التحقيق . منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين ، أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين . أورد هذا كالدليل على ما ذكرناه آنفا ، من آنه : لا حظّ للعبد من صفات مولاه إلا التعلق بها فقط ، وأنّ ادّعاء شيء منها من كبائر معاصي القلب ومن مشاركة المربوب للربّ ، ومن مقتضى الغيرة التي اتصف بها وأعلمنا بشأنها على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « لا أحد أغير من اللّه تعالى » « 1 » ومن غيرته أنّه حرّم الفواحش وما ظهر منها وما بطن [ تحريم ذلك على العبد والتسجيل عليه باستحقاق الطرد والبعد ] ، ومن أفحش الفواحش عند العارفين وجود شيء من الشركة في قلب العبد بادّعاء شيء من أوصاف الربوبيّة لنفسه عقدا أو قولا ، لأن ذلك منازعة له وتكبر عليه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( كسوف ، 2 ) ، ( توحيد ، 15 ، 20 ) ، ( نكاح ، 107 ) ، ( تفسير سورة 6 ، 7 ، 7 ، 1 ) ، ومسلم ( توبة ، 32 ، 33 ، 34 ، 35 ، 36 ) ، ( كسوف ، 1 ) والترمذي ( دعوات ، 95 ) ، والنسائي ( كسوف ، 11 ) ، والدارمي ( نكاح ، 37 ) والموطأ ( كسوف ، 1 ) ، وأحمد بن حنبل ( 1 ، 381 ، 426 ، 436 ، 6 ، 164 ، 348 ، 352 ) .