محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

166

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قال أبو طالب المكّي ، رضي اللّه تعالى عنه : « حدّثت أن المؤمن إذا توضّأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرض خوفا منه ؛ لأنه تأهب للدخول على الملك ، فإذا كبّر حجب عنه إبليس وضرب بينه وبينه سرادق لا ينظر إليه وواجهه الجبار بوجهه الكريم ، فإذا قال : اللّه أكبر ، اطّلع الملك على قلبه ، فإذا كان ليس في قلبه أكبر من اللّه فيقول الملك : صدقت : اللّه أكبر في قلبك كما تقول . قال : فيتشعشع من قلبه نور يلحق بملكوت العرش فينكشف له بذلك النور ملكوت السماوات والأرض ، ويكتب له حشو ذلك النور حسنات قال : وإن الغافل الجاهل إذا قام إلى الوضوء احتوشته الشياطين كما يحتوش الذباب نقطة العسل ، فإذا كبر اطلع الملك على قلبه ، فإذا كلّ شيء في قلبه أكبر من اللّه عنده فيقول الملك : كذبت ؛ ليس اللّه أكبر في قلبك كما تقول . قال : فيثور من قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجابا لقلبه عن الملكوت ، فيردّ ذلك الحجاب صلاته وتلتقم الشياطين قلبه ، فلا تزال تنفخ فيه ، وتنفث ، وتوسوس إليه ، وتزيّن له ، حتى ينصرف من صلاته لا يعقل ما كان فيه . ومعاني هذه الآثار موافقة لمعنى ما ذكره المؤلف دالة عليه ، فلذلك أوردها هاهنا ، واللّه وليّ التوفيق برحمته . علم وجود الضعف منك فقلل أعدادها ، وعلم احتياجك إلى فضله فكثر أمدادها . فهذا من فضل اللّه تعالى الذي عوّده عبده ، فتقليل أعدادها : بأن جعل الخمسين خمسا ، وذلك تخفيف منه لما علم من وجود ضعفه . وتكثير أمدادها : بأن جعل للخمس ثواب الخمسين ، وذلك فضل منه عليه ؛ إذ كان محتاجا إليه . فله الحمد والشكر على ذلك . وهذه المعاني مذكورة في حديث الإسراء . متى طلبت عوضا علي عمل طولبت بوجود الصدق فيه ، ويكفي المريب وجدان السلامة . تقدّم أن العمل لأجل حصول الجزاء مدخول معلول ، وحكينا هنالك من الآثار والحكايات عن العارفين وأرباب القلوب ما فيه مقنع ، وقد كرر المؤلف رحمه اللّه تعالى ، هذا المعنى في مواضع متفرقة من هذا الكتاب ، وما ذكره هاهنا تقبيح لحال طالب الجزاء على العمل . ومعنى ما ذكره ، أن : العمل على هذا الوجه معرّض للبطلان ؛ لأنه إذا طالب ربّه بالجزاء على عمله طالبه ربّه بوجود الصدق فيه . والصدق فيه الوفاء بحقّه في العمل ، وأنّى له توفية ذلك ! ! مع كونه طالبا للحظ من ربه ، فهو - لا محالة - مريب ، فيكفيه