محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
165
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فيكون في قلبك نور على نور . وهذه العبارات الست معانيها متقاربة . ولمّا كانت هذه الأحوال التي ذكرها المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، من فوائد الصلاة ، وأن المقصود منها إنما هو تحصيلها كان ذكر المؤلف لها كالدليل على ما قاله من أن المأمور به إنما هو إقامة الصلاة لا وجود الصلاة ؛ فأنّ الصلاة المعتبرة إنما هي صلاة الخاشعين ، لا صلاة الغافلين التي لا تنهض لبلوغ هذه المقاصد السنيّة ، ولذلك كانت الصلاة « أمّ العبادات » وأساس الخيرات وعماد الدين ، قال اللّه تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ طه : 14 ] ، فأخبر أنّ المراد من الصلاة الذكر . وقد روى معنى ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنما فرضت الصلاة ، وأمر بالحج والطواف ، وأشعرت المناسك لإقامة ذكر اللّه » « 1 » . ولذا كانت قرّة عين حبيب اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، على ما سيأتي الكلام عليه حيث تعرّض المؤلف له . وفي بعض الأخبار : « أن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع اللّه الحجاب بينه وبينه ، وواجهه بوجهه ، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى السماء يصلّون بصلاته ويؤمّنون على دعائه ، وإن المصلي لينشر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه ، ويناديه منادي : « لو يعلم المناجي من يناجي ما انفتل ، وإن أبواب السماء تفتح للمصلي ، وإن اللّه تعالى يباهي ملائكته بصفوف المصلّين » « 2 » . وفي التوراة : « يا بن آدم لا تعجز أن تقوم بين يديّ مصليّا باكيا فأنا اللّه الذي اقتربت من قلبك ، وبالغيب رأيت نوري » . وكانوا يرون أن تلك الرقة والبكاء وذلك الفتوح الذي يجده المصلّي في قلبه من دنوّ الربّ من القلب . وقال محمد بن علي الترمذي ، رضي اللّه عنه : « دعا اللّه تعالى الموحّدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم ، وهيّأ لهم فيها ألوان الضيافات لينال العبد من كلّ فعل وقول شيئا من عطاياه ، فالأفعال كالأطعمة ، والأقوال كالأشربة ، وهي عرس الموحّدين هيّأها رب العالمين لأهل رحمته في كلّ يوم خمس مرات حتى لا يبقى عليهم دنس الأغيار » .
--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 3 / 22 ، 114 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 150 ) . ( 2 ) أخرجه صاحب ( الإتحافات السنية 153 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 170 ) .