محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
155
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
قال يحيى بن معاذ الرازي ، رضي اللّه تعالى عنه : إذا رأيت الرجل يشير إلى الآيات والكرامات فطريقه طريق الأبدال ، وإذا رأيته يشير إلى الآلاء والنعماء فطريقه طريق المحبة ، وهو أعلى من الذي قبله ، وإذا رأيته يشير إلى الذكر ويكون قلبه معلّقا بالذكر الذي ذكر فطريقه طريق العارفين ، وهو أعلى درجة من جميع الأحوال . وقال أبو يزيد ، رضي اللّه عنه : كنت في بدايتي يريني الحقّ تعالى الآيات والكرامات فلم ألتفت إليها ، فلما رآني كذلك جعل لي إلى معرفته سبيلا . لا يستحقر الورد إلا جهول . الوارد يوجد في الدار الآخرة ، والورد ينطوي بانطواء هذه الدار ، وأولى ما يعتنى به ما لا يخلف وجوده . الورد هو طالبه منك ، والوارد أنت تطلبه منه ؛ وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه . الورد : عبارة عما يقع بكسب العبد من عبادة ظاهرة أو باطنة . والوارد : هو الذي يرد على باطن العبد من لطائف وأنوار فينشرح بها صدره ، ويستنير بها قلبه وسرّه . فالورد : ما من العبد للحقّ تعالى من معاملة وعبودية . والوارد : ما من الحق سبحانه وتعالى للعبد من لطف وكرامة . والورد أحقّ ما يعتني به العبد ويراعيه من الوارد ، لوجهين : أحدهما : أن الورد مختصّ بهذه الدار لا يقع إلّا فيها ؛ فهو منقطع بانقطاعها وفان بفنائها ، فينبغي للعبد أن يستكثر من الأوراد قبل فواتها ؛ إذ لا يمكنه خلف ما فات منها . والثاني : أن الورد هو حقّ الحق منك ، والوارد هو حظّك منه . وقيامك بحقوقه عليك أولى وأليق بالعبودية من طلب حظوظك ووقوفك معها ، فإذا ثبتت مزية الورد على الوارد باعتبار العبد كان استحقاره من نهاية الجهل ، وكان مستحقره جهولا ، كما قال في « لطائف المنن » : « واعلموا أن اللّه تعالى أودع أنوار الملكوت في أصناف الطاعات ، فإن من فاته من الطاعات صنف ، أو أعوزه من الموافقة جنس فقد من النور بمقدار ذلك فلا تهملوا شيئا من الطاعات ، ولا تستغنوا عن الأوراد بالواردات ، ولا ترضوا لأنفسكم بما رضي به المدّعون من جرى الحقائق على ألسنتهم وفقد أنوارها من قلوبهم ؛ لأن الحق بحكمته جعل الطاعة الجارية على العباد مستقرعة لباب الغيب ، فمن قام بالطاعة