محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

156

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

والمعاملة بشرط الأدب لم يحتجب الغيب عنه ، وإنما حجاب الغيوب وجود العيوب ، والتطهر من العيب يفتح لك باب الغيب ، ولا تكن ممن يطلب اللّه لنفسه ولا يطالب نفسه للّه ؛ فذلك حال الجاهلين الذين لم يفهموا عن اللّه ، ولا واجههم المدد من اللّه ، والمؤمن ليس كذلك ، بل المؤمن من يطالب نفسه لربّه ولا يطالب ربّه لنفسه ؛ فإن توقف عليه الوقت استبطأ أدبه ولا يستبطىء مطلبه » . ثم ذكر كلاما كثيرا ، وفي كلامه ، رحمه اللّه تعالى ، تنبيه على تأكّد أمر الأوراد وعظم موقعها من الدين وأن مراعاتها من أحسن سمات العارفين ، وقد رؤى الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه ، وفي يده سبحة « 1 » ، فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة ! ! فقال : نعم ، سبب وصلنا به إلى ما وصلنا لا نتركه أبدا . وكان يدخل كلّ يوم حانوته ، ويسبل الستر ، ويصلي أربعمائة ركعة ثم يعود إلى بيته ، ورؤي بعد وفاته في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : طاحت تلك الإشارات وفنيت تلك العبارات ، وأبيدت تلك الرسوم ، وغابت تلك العلوم ، وما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها في السّحر . وحكى أبو محمد الحريري رضي اللّه تعالى عنه ، قال : كنت عند الجنيد ، رضي اللّه عنه ، في حال نزعه ، وكان يوم جمعة ، ويوم نيروز « 2 » ، وهو يقرأ القرآن فختم ، فقلت : في هذه الحالة يا أبا القاسم ؟ ! فقال : ومن أولى مني بذلك وهو ذا يطوى صحيفتي ! ! وقال أبو الحسن السّراج ، رضي اللّه عنه : ذكر عند الجنيد أهل المعرفة باللّه تعالى ، وما يراعونه من الأوراد والعبادات بعد ما لاطفهم اللّه به من الكرامات ، فقال الجنيد : العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك . وقال أبو بكر العطّار : حضرت الجنيد عند الموت في جماعة من أصحابنا فرأيناه قاعدا يصلّي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد ، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه ، فثقلت عليه حركتهما ، فمدّ رجليه ، فرآه بعض أصدقائه ممن حضر ذلك الوقت ، وكانت رجلا أبي القاسم قد تورّمتا ، فقال : ما هذا يا أبا القاسم ؟ فقال : هذه نعم اللّه ، اللّه أكبر ، فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري : يا أبا القاسم ، لو اضطجعت . . فقال : يا أبا محمد ، هذا وقت وجود منّة اللّه ، اللّه أكبر ، فلم يزل ذلك حاله حتى مات ، رحمه اللّه .

--> ( 1 ) السّبحة : خرزات منظومة في خيط للتسبيح ( ج ) سبح وتسمى المسبحة . ( 2 ) النيروز : بالفارسية : اليوم الجديد وهو أول يوم من أيام السنة الشمسية الإيرانية ويوافق الحادي والعشرين من شهر آذار من السنة الميلادية ، وعيد النيروز أكبر أعياد الفرس القومية .