محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
154
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الصبيان إذا بكوا أعطوا « خشخاشة » « 1 » ليشتغلوا بها . وحكى جعفر الخالدي « 2 » عن الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه قال : جاءني أبو حفص النيسابوري مرّة ومعه « عبد اللّه الرباطي » وجماعة ، وكان فيهم رجل أصلع قليل الكلام ، فقال يوما لأبي حفص : قد كان فيمن مضى لهم الآيات الظاهرة ( يعني بها الكرامات ) وليس لك شيء من ذلك ! ! فقال أبو حفص ، رضي اللّه عنه : تعال ، فجاء به إلى سوق الحدّادين إلى كير عظيم ، فأحمى فيه حديدة عظيمة ، فأدخل يده في الكير فأخذ الحديدة المحماة فأخرجها فبردت في يده ، فقال له : يجزيك هذا ! ! فسئل بعضهم عن معنى إظهار ذلك من نفسه فقال : كان مشرفا على حاله فخشي على حاله أن يتغير عليه إن لم يظهر له ذلك ، فخصّه بذلك شفقة عليه وصيانة لحاله ، وزيادة لإيمانه ، بل ربما ينفر عنها العارفون ، ويخاف منها المحققون . قال بعض السلف : ألطف ما يخادع به الأولياء الكرامات والمعونات . وذكر عن حفص ، أو غيره ، أنه كان جالسا وحوله أصحابه فنزل ظبي من الجبل فبرك عندهم ، قال : فبكى أبو حفص فسئل عن بكائه فقال : كنتم حولي فوقع في قلبي أن لو كان لي شاة لذبحت لكم ، فلما برك هذا الظبي عندنا شبهت نفسي بفرعون حين سأل اللّه تعالى أن يجري معه النيل فأجراه معه ، فبكيت وسألته الإقالة مما تمنيت وأطلقت الظبي . ويحكى أن بعض الأبدال قال لتلميذ من تلامذة الشيخ أبي مدين ، رضي اللّه عنه : ما بالنا لا يعتاص علينا شيء ، وهو يعتاص عليه أقل الأمور مع أنّا نتمنى مقامه وهو لا يتمنى مقامنا فبلغ ذلك الشيخ أبا مدين ، فقال : قل به تركنا مرادنا لمراده . وعن بعضهم أنه كان يسير في البادية فانتهى إلى بئر فإذا الماء ارتفع إلى رأس البئر فقال : أنا أعلم أنك قادر على هذا ، ولكن لا أطيقه ، فلو قيّضت لي بعض الأعراب ليصفعني صفعات ويسقيني شربة ماء كان أسلم لي . ثم إني أعلم أن ذلك الرفق ليس من جهته .
--> ( 1 ) الخشخاش : جنس نباتات عشبية من الفصيلة الخشخاشية فيه أنواع برية وأخرى تزرع لزهرها ، وفيه النوع الذي يستخرج الأفيون من ثماره . ( 2 ) جعفر بن محمد بن نصير ( 253 - 348 ه - 867 - 959 م ) أبو محمد الخلدي ، شيخ الصوفية في أيامه ببغداد ، وأعلمهم بالحديث . كان خوّاصا ، نسبته إلى قصر الخلد ببغداد ولم يكن منه وإنما دعاه الجنيد بالخلدي ، فلزمه . حج 56 حجة . مولده ووفاته ببغداد . ( الأعلام 2 / 128 ، وشذرات الذهب 2 / 378 ) .