محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

153

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قال : « والقسم الثالث : وهو أن تظهر الكرامات في الوليّ لغيره ، والمراد بذلك تعريف ذلك العبد الذي شهدها بصحة طريق هذا الولي الذي ظهرت عليه الكرامة إمّا أن يكون جاحدا فيرجع إلى الاعتراف ، أو كافرا فيعود إلى الإيمان ، أو شاكّا في خصوصية هذا العبد فأظهرت عليه ليعرّفك اللّه بما فيه من ودائع الإحسان » انتهى كلامه . قال أبو النصر السراج « 1 » : « سألت أبا الحسن بن سالم فقلت له ما معنى الكرامات وهم قد أكرموا حتى تركوا الدنيا اختيارا ، وكيف أكرموا بأن تجعل لهم الحجارة ذهبا ، فما وجه ذلك ؟ فقال : لا يعطيهم ذلك لقذرها ، ولكن يغطيهم ذلك حتى يحتجوا بذلك على نفوسهم عند اضطرابها وجزعها من فوت الرزق الذي قسم اللّه لهم ، فيقولون : الذي يقدر على أن يصيّر لك الحجارة ذهبا كما هو ذا تنظرين إليه قادر على أن يسوق إليك رزقك من حيث لا تحتسبين ، فيحتجوا بذلك على تصحيح نفوسهم عند فوت الرزق ويقطعوا بذلك حجج نفوسهم ، فيكون ذلك سببا لرياضة نفوسهم وتأديبا لها . قال أبو نصر : « وقد حكى لنا ابن سالم في معنى ذلك حكاية عن سهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه أنه قال : كان رجل بالبصرة يقال له « إسحق بن أحمد » وكان من أبناء الدنيا فخرج من الدنيا ، أعني من جميع ماله ، وتاب ، وصحب سهلا فقال يوما لسهل : يا أبا محمد ، إنّ نفسي هذه ليست تترك الصياح والصراخ من خوف فوت القوت والقوام ، فقال له سهل : خذ ذلك الحجر وسل ربّك أن يصيره لك طعاما تأكله ، فقال له : ومن إمامي في ذلك حتى أفعل ؟ فقال : إمامك إبراهيم عليه السلام حيث قال : ( رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) المعنى في ذلك : أنّ النفس لا تطمئن إلّا برؤية العين ؛ لأن من جبلتها الشكّ ، فقال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى حتى تطمئن نفسي فإني مؤمن بذلك ، والنفس لا تطمئن إلّا برؤية العين . قال : فكذلك الأولياء يظهر اللّه لهم الكرامات تأديبا لنفوسهم وتهذيبا لها ، وزيادة لهم » انتهى كلام أبي نصر . وقال بعض العلماء : ما رأيت هذه الكرامات إلّا على أيدي البله من الصادقين . وكان رجل يصحب سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه عنه ، فقال له يوما : ربّما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء من بين يديّ قضبان ذهب وقضبان فضّة . فقال سهل أما علمت أن

--> ( 1 ) أبو نصر السراج ( توفي سنة 378 - 988 م ) عبد اللّه بن علي الطوسي ، أبو نصر السراج ، زاهد ، كان شيخ الصوفية ، على طريقة السنة . له كتاب « اللمع » في التصوف . ( الأعلام 4 / 104 ، وشذرات الذهب 3 / 91 ، وكشف الظنون 2 / 1562 ) .