محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
152
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
قال في « لطائف المنن » : « واعلم أن الكرامات تارة تظهر للولي نفسه ، وتارة تظهر منه لغيره ، فإن ظهرت للوليّ في نفسه فالمراد تعريفه بقدرة اللّه ، وفرديته ، وأحديته ، وأن قدرته لا تتوقف على الأسباب ، وأن العوائد هو حاكم عليها ليست هي حاكمة عليه ، وإنما جعل العوائد والوسائط والأسباب حجب قدرته ، وسحب شمس أحديته ، فالواقف عندها مخذول ، والنافذ منها إليه من هو بالعناية موصول قال : وقال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه : « فائدة الكرامة تعريف اليقين من اللّه تعالى بالعلم والقدرة والإرادة والصفات الأزلية بجمع لا يفترق وأمر لا يفتقد كأنها صفة واحدة قائمة بذات الواحد لا يستوي من تعرّف اللّه إليه بنوره بمن تعرّف إلى اللّه بعقله ، ولأجل أنها تثبيت لمن ظهرت له ربما وجدها أهل البدايات في بداياتهم ، وفقدها أهل النهايات في نهاياتهم ، إذ ما عليه أهل النهايات من الرسوخ في اليقين والقوة والتمكين لا يحتاجون معه إلى مثبت . وهكذا كان السلف رضي اللّه عنهم لم يحوجهم الحقّ سبحانه وتعالى إلى ظهور الكرامات الحسية لما أعطاهم من المعارف الغيبية والعلوم الإشهادية ولا يحتاج الجبل إلى مرساة ، فالكرامة رافعة لزلزلة الشك في المنّة ومعرّفة بفضل اللّه تعالى فيمن ظهرت عليه وشاهدة له بالاستقامة مع اللّه سبحانه . والناس في الكرامات على ثلاثة أقسام : قوم يجعلونها غاية الأمر ، فإن وجدوها عظّموا من ظهرت عليه ، وإن فقدوها لم يتوجّهوا بالتعظيم إليه . وقسم قالوا : وما هي الكرامات ؟ إنما هي خدع يخدع بها أهل الإرادة ليقفوا بها على حدودهم حتى لا يلحقوا مقاما ليس هو لهم ، حتى قال أبو تراب النخشبي لأبي العبّاس الرقّي : ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي تكرّم اللّه بها على عباده ؟ فقال : ما رأيت أحدا إلّا وهو مؤمن بها ، فقال أبو تراب : من لم يؤمن بها فقد كفر ، إنما سألتك من طريق الأحوال . فقال : ما أعرف لهم قولا . فقال أبو تراب : بل قل زعم أصحابك أنها خدع من الحق ، وليس الأمر كذلك ، إنما الخدع في حال السكون إليها ، فأمّا من لم يفرح بها ولم يساكنها فتلك مرتبة الربانيين . وكان هذا من أبي تراب رضي اللّه عنه بعد أن عطش القوم وهم أصحابه ، فضرب بيده الأرض فنبع الماء ، فقال فتى : إني أريد أن أشربه في قدح ، فضرب بيده الأرض فناوله قدحا من زجاج أبيض فشرب وسقانا ، قال أبو العباس الرقّي : وما زال القدح معنا إلى مكة . قال الشيخ أبو الحسن : « والقول الفصل في ذلك : أنه لا ينبغي أن تطلب ، أدبا مع اللّه تعالى ، ومن ظهرت عليه عظّم لأنها شاهدة له بالاستقامة مع اللّه سبحانه وتعالى » .