محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

151

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فنحن كذلك وإذا بشيخ على باب المغارة يستأذن ، فأذنّا له ، فدخل ، فسلم ، ووقف ، فقلنا له : من أنت ؟ فقال : عبد الملك . فعلمنا منه أنه من أولياء اللّه ، فقلنا له : كيف حالك ؟ فقال : كيف حالك . . . [ كيف حالك . . . ] يردّها كالمنكر علينا . . . ثم قال : كيف حال من يقول لنفسه في هذه الجمعة أكون وليّا . . . في هذا الشهر أكون وليّا . . . فلا ولاية ، ولا فلاح ، ولا دنيا ، ولا آخرة ، يا نفس ألا تعبدين اللّه تعالى كما أمرك مخلصة لوجهه كما أمرك ، قال اللّه تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ثم انصرف عنا فانتبهنا لغلطتنا ، وتيقظنا : من أين دخل علينا ؟ ! وعلمنا أن اللّه تعالى رحمنا به ، فرجعت على نفسي باللوم والتوبيخ ، وقلت لها : يا نفس ! ! من أنت ؟ وما عملك ؟ وما خطرك ؟ ! أنت لا شيء . وتبنا واستغفرنا اللّه تعالى . قال : ففتح اللّه علينا بجوده وفضله . ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه . التخصيص هاهنا ، هو : أن يظهر الحق تعالى على بعض عباده أثرته ، وعنايته ، وتولية لطفه ورعايته ، فمنهم من يستمر له ذلك حتى يتحقق بالعرفان ، ويتخلّص عن رؤية الأغيار والأكوان ، وهؤلاء هم خواصّ المقرّبين أهل العلم باللّه والحبّ له . ومنهم من يوقفه عن بلوغ ذروة الكمال ويريه في حاله بما يليق به من علوم وأعمال ، وهؤلاء عامة المقرّبين وخاصة أصحاب اليمين العبّاد الزّهاد ، وأهل المجاهدة والأوراد ، وهؤلاء وإن شاركوا الأوّلين فيما يتحفهم الحق تعالى من لطائف الكرامات ، وفيما يمنحهم إيّاه من القيام بوظائف الطاعات والعبادات فلم يتخلصوا من رؤية نفوسهم ، ولم ينفكوا عن مراعاة حظوظهم ، بل هم ساكنون إلى الأسباب ، مرتبطون بوجود الحجاب . وقد يختصّ اللّه تعالى هؤلاء بإظهار الكرامات على أيديهم ، وبسببهم ؛ تسكينا لنفوسهم ، وتثبيتا لليقين في قلوبهم . ويمنعها الأولين ، لأنهم لا يحتاجون إليها ، لما هم فيه من الرسوخ في اليقين ، والقوّة والتمكين ، كما قال صاحب كتاب « عوارف المعارف » . وقد يكون من لا يكاشف بشيء من معاني القدر أفضل مما يكاشف بها إذا كاشفه اللّه تعالى بصرف المعرفة ، فالقدرة أثر القادر ، ومن أهّل لقرب القادر لا يستغرب ولا يستكثر شيئا من القدرة ، ويرى القدرة تتجلّى له من سجف « 1 » أجزاء عالم الحكمة . وسئل الشبلي رضي اللّه عنه ، وقيل له : إنّ أبا تراب ذكر أنه جاع في البادية فرأى البادية كلها طعاما . فقال : عبد رفق به ولو بلغ إلى محل التحقيق لكان كمن قال : إني أبيت عند ربّي فيطعمني ويسقيني .

--> ( 1 ) السجف : أحد السترين المقرونين ، بينهما فرجة ( ج ) أسجاف وسجوف .