محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

150

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

والاحتياج وغير ذلك من أوصاف الحدوث . وذلك هو حقيقة التألّة والتعبّد ، فظهر لنا من ذلك لزوم وجود إله معبود . وهذه هي عظمة الربوبية التي ظهرت لنا من وراء حجاب العبودية ، ولولا ذلك لكان باطنا لا يظهر كما قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه : « العبودية جوهرة أظهرتها الربوبية » فسبحان اللطيف الخبير ، ومن هو على كل شيء قدير . والتسبيح الذي ذكره المؤلف هاهنا في غاية المناسبة لما ذكره من المعنى . لا تطالب ربك بتأخر مطلبك ، ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك . إذا دعوت ربّك وسألت منه مطلبا من المطالب ولم تظهر لك الإجابة فحسّن به ظنّك ولا تطالبه بالوفاء بذلك ؛ فإنه يفعل ما شاء ولا يسأل عمّا يفعل ، ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك ؛ فإنها أهل للمطالبة . وسوء أدبها من وجوه : أحدها : أنك دعوت لتجاب في دعائك ، فيحصل لك بذك غرض ، وهذا مما يقدح في كمال عبوديتك ، وسيأتي هذا المعنى عند قوله : « لا يكن طلبك سببا إلى العطاء منه ، فيقلّ فهمك عنه ، وليكن طلبك لإظهار العبودية وقياما بأحكام الربوبية » . والثاني : اعتقادك أنه لم يستجب لك ، إذ ظهر لك عدم الإجابة منه ، وليس من شرط الإجابة أن تظهر لك ، بل له أن يخفيها عنك لما في ذلك من المصالح ، والإجابة إليه أمرها يجعلها ما شاء مما تعلمه أو تجهله . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( لا يكن تأخير أمر العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك . . . إلخ ) . والثالث : وهو أشدّ : اعتراضك على ربك في حكمه ومطالبتك له إذا تأخرت إجابته عليك . ثم ذكر المؤلف - رحمه اللّه تعالى - الحالة إلي يكون عليها العبد قائما بحق الأدب ، وواصلا إلى غاية الأرب ، فقال : متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره ورزقك في الباطن الاستسلام لقهره فقد أعظم المنة عليك . هذان الأمران اللذان يلزمانك في إقامة العبودية لربك لا غير ، فمتى يسّرهما اللّه تعالى لك ، وأقامك في مراعاة أحكامهما ووفّقك لذلك فقد أعظم المنّة عليك ، فلماذا تتشوف ؟ ! وما الذي تلتمس بعدهما إن كنت عبدا حقيقيا ؟ ! قال سيدي أبو الحسن ، رضي اللّه عنه : « صحبت أخا في اللّه تعالى في البادية واعتزلنا في مغارة عسى أن نكون من أولياء اللّه تعالى وأن يفتح علينا بما فتح اللّه عليهم ، فأقمنا زمانا نقول : لعلّ في هذه الجمعة . . . لعل في هذا الشهر . . . فلم يفتح اللّه علينا ،