محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

144

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

عينيه فسالتا ، فقال : متعتني بهما حيث شئت ، وسلبتنيهما حيث شئت ، وأبقيت لي الأمل فيك يا برّ يا وصول . فقال جبريل : هلمّ تدعو وندعو معك أن يردّ اللّه عليك يديك ، ورجليك ، وبصرك ، فتعود إلى العبادة التي كنت فيها . فقال : ما أحبّ ذلك . قال : ولم ؟ قال : إذا كانت محبّته في هذا فمحبّته أحبّ إليّ من ذلك . قال يونس : يا جبريل ، واللّه ما رأيت أحدا أعبد من هذا . قال جبريل : يا يونس ، إن هذا طريق ليس يتوصّل إلى رضاه بشيء أفضل منه » . وفي الخبر : « إذا أحبّ اللّه عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه » « 1 » . وفيها أيضا يحصل له كفارة الذنوب والخطايا ، ويستوجب من اللّه جزيل الهبات والعطايا ، ولا سبيل له إلى ذلك إلّا بما يرد عليه من أنواع البلايا ؛ لأن العبد قد يعجز عن القيام بوظائف الطاعات ، ويتكاسل عن المواظبتة على نوافل « 2 » الخيرات ، فيكون حينئذ محروما من ثوابها غير حاصل له تكفير سيئاته بها ، وإن قدر عليها ولم يتكاسل عنها لم يأمن تخليصها من الشوائب وتسليمها من الآفات والمعايب ، وحينئذ يبطل عمله ، ويخيب من انتفاعه به أمله ، فليسحن العبد ظنّه بمولاه ، وليعلم أن ما اختاره له خير له مما يختاره لنفسه بشهواته وهواه . فقد روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال للرجل الذي قال له : أوصني ، قال : « لا تتّهم اللّه في شيء قضاه عليك » « 3 » . وذكر مسلم « 4 » ، رحمه اللّه ، من حديث صهيب « 5 » ، رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن : إن أمره كلّه خير ، وليس ذلك لأحد إلّا للمؤمن ، إن

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 38 ، 9 / 277 ، 524 ، 650 ) . والفتني في ( تذكرة الموضوعات 193 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 30793 ، 6771 ) . ( 2 ) النوافل : ( ج ) نافلة : وهي ما زاد على النصيب أو الحق أو الفرض ، والنافلة : الهبة . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 ، 319 ) . ( 4 ) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري ( 204 - 261 ه - 820 - 875 م ) أبو الحسين حافظ من أئمة المحدثين . ولد بنيسابور . ورحل إلى الحجاز ومصر والشام والعراق ، وتوفي بظاهر نيسابور ، أشهر كتبه « صحيح مسلم » و « المسند الكبير » وغيرهما . ( الأعلام 7 / 221 ، وتذكرة الحفاظ 2 / 150 ، وتهذيب الكمال 18 / 68 ، ووفيات الأعيان 5 / 194 - 196 ) . ( 5 ) صهيب بن سنان بن مالك ( 32 ق ه - 38 ه - 592 - 659 م ) من بني النمر بن قاسط ، صحابي ، من أرمن العرب سهما ، وله بأس ، وهو أحد السابقين إلى الإسلام ، فلما أزمع المسلمون الهجرة إلى المدينة ، كان صهيب قد ربح أموالا وفيرة من تجارته ، فمنعه مشركو قريش لكنه تخلى عن هذا المال مقابل إخلاء سبيله ، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها . له ( 307 أحاديث ) وتوفي بالمدينة ، وكان يعرف بصهيب الرومي . ( الأعلام 3 / 210 ، وحلية الأولياء 1 / 151 ) .