محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

115

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

العبد من نفسه إن لم يبعثه على النهوض والانكماش والاجتهاد فذلك من علامات الاغترار ، وليس بمقام السالكين الأبرار . ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته ، بل العارف من لا إشارة له ، لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده . الإشارة ألطف من العبارة ، وهي كناية وتلويح ، وإيماء لا تصريح ، وهي التي يستعملها أهل هذه الطريقة فيما بينهم عند ذكرهم لأسرار التوحيد ، كما تقدم عند قوله : « من رأيته مجيبا عن كل ما سئل ، ومعبرا عن كل ما شهد » فالمشير إلى اللّه تعالى الملاحظ لإشارته ، وإن وجد اللّه تعالى أقرب إليه من إشارته غير عارف على التحقيق ، لأنه بوصف التفرقة بشهوده للأغيار ، بل العارف الفاني في وجوده ، المنطوي في شهوده ، الذي غاب عن الإشارة والمشير والمشار به . سئل الشيخ أبو علي الدقاق ، رضي اللّه تعالى عنه ، عن المريد ، فقال : « حقيقة المريد أن يشير إلى اللّه تعالى فيجد اللّه مع نفس الإشارة ، قيل له : فالذي يستوعب حاله ؟ قال : هو الذي يجد اللّه بإسقاط الإشارة » . وسئل أبو علي الرّوذباريّ ، رضي اللّه تعالى عنه ، عن الإشارة ، فقال : « الإشارة : الإبانة عمّا يتضمنه الوجد من المشار إليه لا غير » . وفي الحقيقة : إن الإشارة تصحبها العلل ، والعلل بعيدة من عين الحقائق . وقال الشبلي « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « وكل إشارة أشار بها الخلق إلى الحقّ فهي مردودة عليهم ، حتى يشيروا إلى الحق بالحق وليس لهم إلى ذلك طريق » ، قال أبو يزيد البسطامي « 2 » رضي اللّه تعالى عنه : « أبعدهم من اللّه أكثرهم إشارة إليه » .

--> ( 1 ) الشبلي ( 247 - 334 ه - 861 - 946 ) هو دلف بن جحدر الشبلي ، ناسك كان في مبدأ أمره واليا على دنباوند ، وولي الحجابة للموفق العباسي ، وكان أبوه حاجب الحجاب ، ثم ترك الولاية وعكف على العبادة ، فاشتهر بالصلاح ، له شعر جيد سلك به مسلك المتصوفة ، أصله من خراسان ، ونسبته إلى قرية « شبلة » ومولده بسرّ من رأى ، ووفاته ببغداد ، اشتهر بكنيته ، واختلف في اسمه ونسبه . ( الأعلام 2 / 341 ، وحلية الأولياء 10 / 366 ، ووفيات الأعيان 2 / 273 - 276 والرسالة القشيرية ص 419 . ( 2 ) أبو يزيد البسطامي ( 188 - 261 ه - 804 - 875 م ) طيفور بن عيسى البسطامي أبو يزيد ، زاهد مشهور له أخبار كثيرة ، نسبته إلى بسطام ووفاته فيها وفي المستشرقين من يرى أنه كان يقول بوحدة الوجود ، وأنه ربما كان أول قائل بمذهب الفناء ، ويعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية . ( الأعلام 3 / 235 ، وطبقات الشعراني 1 / 65 ، ووفيات 2 / 531 ، والرسالة القشيرية ص 395 ) .