محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

116

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الرجاء « 1 » ما قارنه عمل ، وإلا فهو أمنية . الرجاء مقام شريف من مقامات اليقين ، وهو يبعث على الاجتهاد في الأعمال ، كما ذكرناه في الحزن ، لأن من رجا شيئا طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه . وأما الرجاء الكاذب الذي يفتر صاحبه عن العمل ، ويجرّئه على المعاصي والذنوب ، فليس هذا برجاء عند العلماء ، ولكنه أمنية واغترار باللّه تعالى ، وقد ذمّ اللّه قوما ظنوا مثل هذا ، وأصرّوا على حب الدنيا والرضا بها ، وتمنوا المغفرة على ذلك فسماهم « خلفا » والخلف : الرديء من الناس ؛ فقال عز من قائل : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا [ الأعراف : 169 ] . قال معروف الكرخي رضي اللّه تعالى عنه : « طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب ، وارتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور ، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق » . [ وقال معروف الكرخي ، أيضا : « رجاؤك الرحمة ممن لا تطيعه خذلان وحمق » . واعلم أنه ليس في أفعال الحق سبحانه وتعالى ما يوجب أن يؤمن عقابه ، إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته : وكما لا يحسن أن لا يظهر من لطفه في خلقه لا يحسن الطمع في جانبه ويؤمن أخذه وانتقامه ، فإن من قطع أشرف عضو بربع الدينار لا يؤمن أن يكون عذابه غدا هكذا » ] . وقد قالوا : « من زعم أن الرجاء مع الإصرار صحيح فليزعم أن طلب الربح في الفقر وقدح النار في البحر صحيح » . وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » « 2 » .

--> ( 1 ) الرجاء : الأمل ( نقيض اليأس ) . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 4 / 24 ) ، والبيهقي في ( السنن الكبرى 3 / 369 ) والحاكم في ( المستدرك ، 1 / 57 ، 4 / 251 ) ، والطبراني في ( المعجم الكبير 7 / 338 - 341 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 44 ، 8 / 428 ، 441 ، 9 / 18 ، 39 ، 166 ، 10 / 93 ، 151 ، 221 ) ، والبغوي في ( شرح السنة 14 / 308 - 309 ) ، والطبراني في ( المعجم الصغير 2 / 36 ) ، و ( بغوي 2 / 305 ) ، والقرطبي في ( التفسير 1 / 144 ، 6 / 167 ) ، والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 5289 ) ، وابن حجر في ( فتح الباري 9 / 342 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 4 / 252 ) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1 / 267 ، 8 / 174 ) ، والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 12 / 50 ) ، وابن المبارك في الزهد 56 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 2 / 326 ، 3 / 368 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 196 ) ، وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 2 / 472 ) ، والسيوطي الحلبي في -