محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
114
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
قال : فالتفت إليّ وقال : « إذا عرضت لك حاجة فأنزلها باللّه ، إلّا أن يكون لك فيها حظ فتحجب بها عن اللّه تعالى » . ومن دعاء أبي القاسم الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « اللهم وكلّ سؤال سألتك فعن أمرك لي بالسؤال ، فاجعل سؤالي إليك سؤال محابّك ، ولا تجعلني ممن يتعمّد بسؤاله مواضع الحظوظ ، بل يسأل القيام بواجب حقّك » . ومن دعائه أيضا : « اللهم إني أسألك منك ما هو لك ، وأستعيذك من كل أمر يسخطك ، اللهمّ ولا تشغلني بشغل من شغله عنك ما أراده منك ، إلّا أن يكون لك ، اللهم اجعلني ممن يذكرك ذكر من لا يريد بذكره منك إلّا ما هو لك ، اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما هو لك ، ولا تجعل قصدي إليك ما أطلبه منك » . الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامات الاغترار . هذا هو الحزن الكاذب ، الذي يكون معه البكاء الكاذب ، كما قالوا : كم من عين جارية وقلب قاس وهو من مكر اللّه تعالى الخفيّ ، حيث منعه ما ينفعه ، وأعطاه ما يغترّ به من الحزن والبكاء . سمعت رابعة العدوية ، رضي اللّه تعالى عنها ، رجلا يقول : وا حزناه ! ! فقالت : « بل قل واقلّة حزناه ، لو كنت محزونا لم يتهيأ لك أن تتنفّس » . وأما الحزن الصادق فبخلاف هذا ، وهو مقام من مقامات السالكين ، وهو يبعث على الانكماش في الأعمال والنهوض إلى الطاعات على كل حال ، كما قال الشيخ أبو علي الدقاق ، رضي اللّه تعالى عنه : « صاحب الحزن يقطع من طريق اللّه عزّ وجلّ في شهر ما لا يقطعه من فقد حزنه في سنين » وفي الخبر : « إن اللّه يحبّ كل قلب حزين » « 1 » وفي التوراة : « إن اللّه إذا أحبّ عبدا نصب في قلبه نائحة ، وإذا أبغض عبدا نصب في قلبه مزمارا » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكر ، وقيل : « الحزن إذا فقد من القلب خرب ، ومن لم يذق طعم الحزن لم يذق لذّة العبادة » ؛ فإذن الحزن الذي يجده
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في ( المستدرك 4 / 315 ) ، والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 309 ) ، وابن حجر في ( المطالب العالية 3229 ) ، والسيوطي في ( جمع الجوامع 5220 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 5 / 137 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 6 / 90 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 287 ) والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ، 45 ) ، والألباني في ( السلسلة الضعيفة 483 ) ، والشهاب في ( المسند ، 1075 ) .