محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

101

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ما آكل شيئا قد تركته للّه تعالى ، فقال لي : فإذا أطعمك اللّه تأكل ؟ فما كان لي جواب إلّا أن بكيت ، فقال لي : يرحمك اللّه ، كل . قال إبراهيم فقلت له : قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا شيئا إلّا من حيث نعلم ، فقال لي : كل ، يرحمك اللّه فإنما أعطيته ، وقد قيل لي : يا خضر اذهب بهذا وأطعم نفس إبراهيم بن أدهم ، فقد رحمها اللّه من طول صبرها على ما يحمّلها من منعها ، فاعلم يا إبراهيم أنّى سمعت الملائكة يقولون : من أعطى فلم يأخذ ، طلب فلم يعط ، فقلت : فإن كان كذلك فها أنا بين يديك لا أحلّ العقد مع اللّه عزّ وجل ، ثم التفتّ فإذا أنا بفتى آخر ناوله شيئا وقال له : يا خضر ، لقّمه أنت ، فلم يزل يلقمني حتى شبعت فانتبهت وحلاوته في فمي . قال شقيق رضي اللّه تعالى عنه : فقلت : أرني كفّك ، فأخذت كفّه بكفّي فقبلتها وقلت : يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع ، يا من يقدح في الضمير اليقين ، يا من سقى قلوبهم من محبته أترى لشقيق عندك حالا ، ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء ، فقلت : إلهي بقدر هذه الكفّ ، وبقدر صاحبها ، وبالجود الذي وجده منك ، جد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك ورحمتك وإن لم يستحق ذلك ، قال : فقام إبراهيم رضي اللّه تعالى عنه ، ومشى حتى دخل المسجد الحرام » . وقال عتبة الغلام لعبد الواحد بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما : إن فلانا يصف من قلبه منزلة ما أعرفها ، قال : لأنك تأكل مع خبزك تمرا وهو لا يزيد على الخبز شيئا ، فقلت : إن كنت تركت أكل التمر عرفت تلك المنزلة ؟ قال : نعم وغيرها . فأخذ يبكي ، فقال له بعض أصحابه : لا أبكى اللّه عينيك ، أعلى التمر تبكي ؟ فقال عبد الواحد : دعه فإن نفسه قد عرفت صدق عزمه في الترك ، هو إذا ترك شيئا لم يعاود فيه أبدا » . وقال أحمد بن أبي الحواري : « اشتهى أبو سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه ، رغيفا حارا بملح فجئت به إليه ، فعضّ منه عضة ، ثم طرح الرغيف ، وقال : عجلت إليّ شهوتي بعد إطالة جهدي وشقوتي ، قد عزمت على التوبة فاقبلني ، قال أحمد : فما رأيته أكل الملح حتى لقى اللّه تعالى » . وقال أبو بكر بن الجلّاء ، رضي اللّه تعالى عنه : « أعرف إنسانا تقول له نفسه : أنا أصبر لك على طي عشرة أيام ، وأطعمني بعد ذلك شهوة أشتهيها ، فيقول لها : لا أريد أن أطوي عشرة أيام ولكن اتركي هذه الشهوة » . وقال أبو سليمان ، رضي اللّه تعالى عنه : « ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها » . وقال أبو حامد الغزالي ، رضي اللّه تعالى عنه : « وقد اشتد خوف السلف ، رضي اللّه