محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

102

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

تعالى عنهم ، من تناول لذائذ الأطعمة وتمرين النفس عليها ، ورأوا أن ذلك علامة الشقاوة ، ورأوا أنّ منع اللّه منه غاية السعادة ، حتى روى أن وهب بن منبّه رضي اللّه تعالى عنه ، قال : التقى ملكان في السماء الرابعة ، فقال أحدهما للآخر : من أين ؟ فقال : أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي . وقال الآخر : أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد وقال : وهذا تنبيه على أن تيسير الشهوات ليس من علامات الخير . قال الشيخ أبو حامد الغزالي ، رضي اللّه تعالى عنه : « والأصل المهمّ في المجاهدة الوفاء بالعزم ، فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت له أسباب ذلك ، ويكون ذلك من اللّه ابتلاء واختبارا ؛ فينبغي أن يصبر ويستمر فإنه إن عوّد نفسه كسر العزم ألفت ذلك وفسدت ، وإذا اتفق منه كسر عزم فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه ، كما ذكرناه في معاقبة النفس من كتاب « المراقبة » فإذا لم يخوّف النفس بعقوبة غلبته وحسّنت عنده تناول الشهوة ، وتفسد الرياضة عليه بالكلية » . هذا كلام أبي حامد ، وهو حسن ، ومعناه صحيح مجرب ، فلتعتمد عليه أيها المريد . وقد يعجّل اللّه تعالى لبعض هؤلاء العقوبة رحمة له ، ومنّة عليه . قال أبو تراب النخشبي رضي اللّه تعالى عنه : « ما تمنّت نفسي شهوة من الشهوات إلا مرة واحدة ، تمنت خبزا وبيضا وأنا في سفر ، فعدلت إلى قرية ، فقام واحد وتعلّق بي وقال : هذا كان مع اللصوص ، فضربوني سبعين درّة « 1 » ، ثم عرفني رجل منهم ، فقال : هذا أبو تراب النخشبى ، فاعتذروا إليّ ، فحملني رجل منهم إلى منزله ، وقدّم لي خبزا وبيضا ، فقلت في نفسي : كلي ، بعد سبعين درّة » . وقال بعضهم : اشتهى أبو الخير العسقلاني ، رضي اللّه تعالى عنه ، السمك سنين ثم ظهر له ذلك من موضع حلال ، فلما مدّ يده إليه ليأكل دخلت شوكة من عظامه أصبعه ، فذهبت في ذلك يده ، فقال : « يا رب ، هذا لمن مدّ يده بشهوة إلى حلال فكيف بمن مدّ يده بشهوة إلى حرام » ؟ . وقال إبراهيم الخواص ، رضي اللّه تعالى عنه : « كنت جائعا في الطريق فوافيت « الريّ » « 2 » فخطر ببالي أن لي بها معارف ، فإذا دخلتها أضافوني وأطعموني ، فلما دخلت

--> ( 1 ) الدّرّة : السوط يضرب به ( ج ) درر . ( 2 ) الريّ : مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن ، وهي محط الحاج على طريق السابلة وقصبة -