محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

100

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الرمان ، فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمعت عليه الزنابير « 1 » فقلت : السلام عليك ، فقال : وعليك السلام يا إبراهيم ، فقلت : كيف عرفتني ؟ فقال : من عرف اللّه لم يخف عليه شيء ، فقلت : أرى لك حالا مع اللّه تعالى ، فلو سألته أن يحميك ويقيك من هذه الزنابير ! ! فقال : وأرى لك حالا مع اللّه تعالى ، فلو سألته أن يحميك ويقيك من شهوة الرمّان ، فإنّ لذغ [ شهوة ] الرمّان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ، ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا » . وقال السري رضي اللّه تعالى عنه : « إن نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة أن أغمس جزرة في دبس « 2 » فما أطعمتها » ، فلما كان ترك الشهوات والتنعمات من شأن المريد ومن مقتضى حاله لزمه الوفاء به وكان عمله على خلافه نقضا وفسخا ، كما تقدّم . قال جعفر بن نصير « 3 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « دفع إليّ الجنيد درهما وقال اشتر به التين الوزيري ، فاشتريته ، فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها في فيه ثم ألقاها ، وبكى ، وقال : احمله ! ! فقلت له في ذلك ، فقال : هتف بي هاتف أما تستحي شهوة تركتها من أجله ثم تعود إليها ! . وعن شقيق بن إبراهيم « 4 » قال : « لقيت إبراهيم بن أدهم ، رضي اللّه تعالى عنه ، بمكة في سوق الليل عند مولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس في ناحية من الطريق يبكي ، فعدلت إليه ، وجلست عنده ، وقلت له : أي شيء هذا البكاء يا أبا إسحاق ؟ فقال : خير وعافية ، فعاودته مرّة ، واثنتين ، وثلاثة ، فلما أكثرت عليه قال : يا شقيق استر عليّ . فقلت : يا أخي قل ما شئت . قال : اشتهت نفسي « سكباجا » « 5 » فمنعتها جهدي ، فلما كان البارحة كنت جالسا وقد غلبني النعاس ، فإذا أنا بفتى شاب بيده قدح أخضر يعلو منه بخار ورائحة سكباج قال فاجتمعت همتي عليه فقرب مني وقال : يا إبراهيم كل ، فقلت :

--> ( 1 ) الزنابير ( ج ) زنبور : جنس حشرات من فصيلة الزنبوريات ، أنواعه عديدة منها الزنبور الكبير ( الدبور ) وهو كبير القد واسع الانتشار ، يلسع الإنسان إن ضايقه ولسعته مؤلمة مؤذية . ( 2 ) الدبس : ربّ التمر والزبيب وعصارتهما ، وما تحلّب منهما . ( 3 ) ربما يكون جعفر بن محمد بن نصر ، أبو محمد ( 253 - 348 ه - 867 - 959 م ) ولد ونشأ في بغداد ، صحب الجنيد وانتمى إليه ، مات ببغداد . ( الرسالة القشيرية ص 437 ) . ( 4 ) شقيق بن إبراهيم بن علي الأزدي البلخي ( توفي سنة 194 ه - 810 م ) أبو علي زاهد صوفي من مشاهير المشايخ في خراسان . ولعله أول من تكلم في علوم الأحوال ( الصوفية ) بكور خراسان وكان من كبار المجاهدين ، استشهد في غزوة كولان . ( الأعلام 3 / 171 ، وطبقات الشعراني 1 / 65 ، وميزان الاعتدال 1 / 449 ، ووفيات الأعيان 2 / 475 وفيه وفاته سنة ( 153 ) ، والرسالة القشيرية ص 397 . ( 5 ) السّكباج : طعام يعمل من اللحم والخلّ مع توابل ، القطعة منه سكباجة ( مع ) .